الاثنين، 5 يناير 2015

الحضارة الإسلامية صانعوها ملحدون


             الحضارة الإسلامية صانعوها ملحدون 

 نعم عزيزي المسلم, لا تستغرب من العنوان في الأعلى,أنت لم تكن يومًا صاحب حضارة؛ فأنت ودينك بعيدون كل البعد عن أن تكونا أصحاب حضارات, لكنني سأسايرك قليلًا وأعتبر أن ما تتغنى بهِ أنت وأمة المليار اليوم هي حضارة إسلامية, تتغنى بتلك الحضارة التي كان علمها هو واحدٌ من أسباب تقدم أوروبا, لكن قبل أن تتغنى بتلك الحضارة دعنا نعد أنا وأنت بالتاريخ إلى الحقبة الزمنية التي كانت السبب وراء استمرار تلك الحضارة إلى يومنا هذا.
احد أهم أسباب استمرار تلك الحضارة أربعة عشر قرنًا, هو فترة تاريخية استمرت من منتصف القرن الثامن  ولغاية القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي, هذه المرحلة التاريخية تعرف بكتب التاريخ باسم "العصر الذهبي للإسلام".
في هذه الفترة الزمنية وصلت تلك الحضارة إلى أوج قوتها وجبروتها, بكل النواحي العلمية, والعسكرية, والفكرية, والمعمارية, حتى اعتبرت تلك الحضارة كواحدة من أقوى القوى في ذاك العصر.
هذا صحيح 100%, لكن من السبب وراء وصول تلك الحضارة لهذه القوى العظيمة؟.

حقيقة الحضارة الإسلامية 
"نعم, أنهم الملحدون"
ولا انطق عن الهوى, ولدي أدلتي لما أقوله.
 ما هو تعريف الحضارة, وهل الإسلام وجد ليكون دين حضارات ؟ . 
الحضارة هي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنُظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون, وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها, ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى ،فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجيا وعلم الاجتماع...أما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تساهم في الرقي. فلو ركزنا بحثنا على أكبر الحضارات في العالم مثل الحضارة الرومانية سنجد أنها كانت تمتلك علماء وفنانين عظماء. فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة.
" فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة."
هذا ما كنت ابحث عنه, لكن قبل أن أتكلم في ذلك الموضوع سأتكلم عن متى تبدأ الحضارة؟.
كما ذكرنا في التعريف قبل قليل تبدأ الحضارة عندما ينتهي الاضطراب والقلق, لكن الإسلام جعل من حياة متبعه جحيمًا حقيقًا.
هذا حرام, هذا حلال, هذا باطل, هذا مكروه, هذا كفر, ماذا افعل, من اسأل, كيف أفعل هذا, هل يجوز أن فعلت هذا بالطريقة هذه أم أنه مكروه ومحرم, حتى أصبح دخوله للحمام يستدعي فتوى شرعية.!!
فحياة المسلم "الحق" هي عبارة عن حياة اضطرابات وقلق, خوفًا من أن يكون ما يفعله قد يغضب الله أو يكرهه الله, وخوفًا من أن لا يدخل الجنة ويخلد في النار,  فتتحول حياة المسلم من إنسان متطلع نحو الحياة و فهمها إلى حياة عبد يؤمر بأمر, لا مكان للإبداع أو الإنشاء فيها.
والآن إلى العلم والفن, كما ذكرنا قبل قليل هما الركيزتان الأساسيتان لبناء أي حضارة, ومن دونهما..... لا حضارة.
عندما كنت صغيرًا مسلمًا, وبالنسبة لي كمسلمٍ كان سماع خطبة الجمعة هو أهم شيء أقوم به في الأسبوع, كان يخرج علينا شيخ؛ ليسرد علينا بعضًا الروايات من دينه الحنيف, و نهايتها تكون دعاوى على موت اليهود و النصارى تًختم بجملة "يا أرحم الراحمين" .
هذا ليس محور حديثي, ما يهمني هي تلك الخطبة التي أثارت استغرابي لشهر كامل, خطبة تحت اسم "العلوم في الإسلام".
العلوم في الإسلام: قال في تلك الخطبة أن لا علم في الإسلام إلا العلوم الشرعية -علوم الفقه و الحديث والتفسير- وما عداها باطل وكفر و استدل بكلامه ذاك بكلام الإمام الأوزاعى  "العلم ما جاء به أصحاب النبي" ولا علم غير ذاك العلم .
وكلام ابن تيمية : "جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعًا، وإما أن لا يكون علماً وإن سمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلا بد أن يكون في ميراث محمد ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه".
ما أثار استغرابي بعد ذلك هو تلك العلوم المحرمة التي كان في مقدمتها: ( الفيزياء, والكيمياء, والفلسفة , والفلك, والرياضيات ).
كانت الخطبة قصيرة نوعًا ما فلم يرد على سؤالي في ذلك الوقت.... لماذا حرم الإسلام تلك العلوم؟؟.... بعد عامين من طرحي لذاك السؤال -عندما تعلمت كيفيه استخدام الإنترنت – دخلت لأبحث عن حقيقة التحريم أن كان حقًا الإسلام حرم تلك العلوم أم لا, وأن كان حقًا تم تحريمها, فما السبب وراء التحريم؟.
الكيمياء:
يقول ابن تيمية في الفتاوى عن الكيمياء :
(الكيمياء أشد تحريمًا من الربا) (أهل الكيمياء من أعظم الناس غشًا! )
(هم أهل ذله وصغار )
(الكيمياء محرمًة باطلة)
و استدل على بطلانها بقولهِ
(لم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من علماء الدين ولاالصحابة ولا التابعين )

(ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع الجواهر والطيب، وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك, مثل ما يصنعونه من اللؤلؤ، والياقوت, والمسك, والعنبر، وماء الورد، وغير ذلك.....فهذا كله ليس مثل ما يخلقه الله من ذلك, بل هو مشابه له من بعض الوجوه و ليس هو مساويا له في الحد والحقيقة . وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين الذين يعلمون حقيقة ذلك, ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطل في العقل والدين )
 ويقول أيضًا : ( وحقيقة " الكيمياء " إنما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في العقل والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. و كل ما أنتجته الكيمياء من منتجات هي مضاهاة لخلق الله ، وبالتالي هي محرمة ).
المصدر: "الفتاوى ، كتاب "الفقه" ، البيع ، باب الخيار ، مسألة : عمل الكيمياء هل تصح بالعقل أو تجوز بالشرع . الطبعة الأولى : مجلد 29 ، ص 368 . "
وقول ابن تميمة عن "عالم الكيمياء الشهير جابر بن حيان" : ( وأما جابر بن حيان صاحبُ المصنفات المشهورة عند الكيماوية ، فمجهولٌ ، لا يعرف ، وليسَ له ذكرٌ بين أهل العلم ، ولا بين أهل الدين ) نفس الجزء صفحة 369 .
هذا ما يخص الكيمياء وتحريمها, أما عن باقي العلوم التي حُرمت إسلاميًا
كعلم الفلك مثلًا: عن ابن عباس قال : قال محمد :( من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد)
المصدر: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/173 وانظر السلسلة الصحيحة 2/435.
قال الشوكاني في تفسيره للحديث : قوله ( زاد ما زاد ) أي زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر وقد علم أن أصل علم السحر حرام والازدياد منه أشد تحريماً فكذا الازدياد من علم التنجيم
المصدر: نيل الأوطار 7/207

وقال "شيخ الإسلام" ابن تيمية: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل".
المصدر: مجموع الفتاوى 35/192
الفلسفة في الإسلام : هي منبع الضلالة ، ومنجم الباطل ، قد عشّش به الشيطان وضرب فيه قباب ، حرّمه جميع المحققين من العلماء ، ومَنْ تعلمه وأدمن النظر فيه لم يسلم من الإلحاد، ودين أهل هذا العلم هو الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أبطلوا النقول، وخالفوا المعقول، وأضلوا الأمم.


وقد ثار فريق من المسلمين على الفلسفة والمنطق اليونانيّين ، وبدت تلك الثورة واضحة عند هؤلاء المفكرين المسلمين " ممن اعتقدوا أن النبي إنما عني  علوم اليونان حين سأل ربه أن يعذه " من علم مالا ينفع فكان يعد مسلما على الحقيقة، كل من يتجنب اليونانيات معتبرا إياها خطرا على الدين، وناظرًا إليها على أنها " علوم مهجورة " و " حكمة مشوبة بكفر"
المصدر: جلال العشري : حقيقة الفلسفة الإسلامية ، الطبعة الأولي 1412 هـ / 1991م ، الدار المصرية اللبنانية طباعة نشر توزيع ، ص 135 .     لقد وجد هذا النفر من المسلمين المعارضين لفلسفة اليونان ومنطقهم أن فيهما من المفاسد والضلالات  ما يجعلهم يطالبون " باستبعادها واتهام أصحابها بالكفر والزندقة . وأقرب الأمثلة على ذلك ما وجدوه في فلسفة أرسطو من مسائل تتعارض بصفة جوهرية مع تعاليم الإسلام وهي : عقيدة الإيمان بالله تعالى، والصلة بين الله والعالم ، وخلود النفس
المصدر: د. محمد مصطفي حلمي :  الإسلام والمذاهب الفلسفية ،  الطبعة الأولي 1404 هـ / 1985م ، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع ، ص 100 .الذين أدلوا بآراء تخالف الشرع الحنيف ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر إنكارهم للصفات حتى صفة الوجود لأنها من صفات الحوادث " وهذه فلسفة جريئة تتعارض مع النصوص الدينية ، ولا تتلاءم مع حرية الإيمان في صدر الإسلام ، وكان لها أثرها فيمن حولها من محافظين ومجددين ، فحمل السلف عليها حملة عنيفة ، ورموا الرجلين بالكفر والزندقة . "
المصدر: د. إبراهيم مدكور : في الفلسفة الإسلامية : منهج وتطبيق  ،  دار المعارف – مصر ، جـ 2  ، ص 29 .
     الغزالي: يعد أبو حامد الغزالي في طليعة مفكري المسلمين الذين اتخذوا موقفاً رافضاً للفلسفة والمنطق اليونانيين، ويظهر ذلك بوضوح وجلاء في بعض مؤلفاته مثل : " المنقذ من الضلال " و " تهافت الفلاسفة " . (تلك المؤلفات التي شن من خلالها حملات
شرسة على الفلسفة والفلاسفة وصلت ذروتها أن كفرهم الغزالي  )
المصدر: الغزالي  : المنقذ من الضلال : مع أبحاث أخرى في التصوف ودراسات عن الغزالي ،  أ.د/ عبد الحليم محمود ، مطبعة حسان ، يطلب من دار الكتب الحديثة ، ص104.

و يذكر الغزالي أن الفلاسفة  مختلفون ومتنازعون وأساليبهم متباعدة عن بعضها البعض، يقول :" ليعلم أن الخوض في حكاية اختلاف الفلاسفة تطويل ، فإن خطبهم طويل ، ونزاعهم كثير ، وآراؤهم منتشرة ، وطرقهم متباعدة متدابرة ."

المصدر: الغزالي  : تهافت الفلاسفة  ، تحقيق د. سليمان دنيا ، الطبعة الثالثة ، مزيدة ، ذخائر العرب (15) دار المعارف – مصر ، المقدمة ، ص 74.
  ولم يكتف الغزالي بهذا النقد الذي وجهه للفلاسفة؛ بل أنه نعت ما تركه فلاسفة اليونانيين والمسلمين من آراء وأفكار  أنها ملاء بالتخبيط و التخليط و التشويش .
المصدر: الغزالي :المنقذ من الضلال ، مع أبحاث في التصوف ودراسات عن الغزالي ، ص 113
وقال أبن القيم: "فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفلسفة أو شرط .. فلا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء تكلم الله بها ، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله سبحانه، فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء".
المصدر: إغاثة اللهفان 2 / 595
لم يتوقف الأمر عند العلم وحسب, بل طال فن العمارة أيضا: فقد روى البخاري عن خباب مرفوعًا : ( إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفعه إلا في شيء يجعله في هذا التراب.

قال ابن حجر:

" وقد ورد في ذم البناء صريحاً ما أخرج ابن أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر " إذا رفع الرجل بناءً فوق سبعة أذرع نودي : يا فاسق إلى أين ؟ " وفي سنده ضعف مع كونه موقوفاً ، وفي ذم البناء مطلقاً حديث خباب يرفعه قال : ( يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب ) أو قال (البناء) أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهداً عن أنس بلفظ ( إلا البناء فلا خير فيه ) وللطبراني من حديث جابر يرفعه قال : ( إذا أراد الله بعبدٍ شراً)"

المصدر: فتح الباري 11/95 

الفن في الإسلام.
الموسيقى:دليل التحريم من القرآن: ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين.

المصدر مع التفسير:


(لقمان / 6 ) قال بن مسعود : هو الغناء والذي لا إله إلا هو – يرددها ثلاث مرات ( رواه الطبري (21 / 40 ) وصححه الحاكم والذهبي وابن القيم والألباني )

. قال ترجمان القرآن ابن ابن عباس: نزلت في الغناء وأشباهه ( رواه الإمام الطبري في تفسيره ( 21 / 40 ) وصححه الألباني )
وروي ذلك عن عكرمة ( البخاري في ( التاريخ ) ( 2 / 217 )
، وعن مجاهد ( أبن شبية رقم 1167 ) وصححها الألباني .
 ( تحريم آلات الطرب الألباني ص 142 – 144 )
. قال المسفر الواحدي : أكثر المسفرين على أن المراد بـ ( لهو الحديث ) : الغناء ( تفسير الوسيط للواحدي ج 3 – ص 441 ) .
 قال القرطبي : أعلى ما قيل في هذه الآية ، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ( ثلاث مرات ) أنه التفسير القرطبي ( 14 / 52 ( .
دليل التحريم في سنة محمد:
( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ).

التفسير
( رواه أبو داود والإسماعيلي ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم محتجاُ به ، ووصله ابن حبان والطبراني وابن عساكر والبيهقي ، وصححه البخاري وابن حبان والإسماعيلي وابن الصلاح والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والحافظ ابن حجر وابن الوزير الصنعاني والأمير الصنعاني والسخاري والألباني رحمهم الله تعالى )

المصدر ( سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج 1 – ص 186 ، وأيضاً ص 906 )
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر الشيعي . لما نسب إلى أهل السنة إباحة الملاهي والغناء ، فكذبه ابن تيمية وقال : هذا من الكذب على الأئمة الأربعة ، فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو ، كالعود ونحوه ، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف ، بل يحرم عندهم اتخاذها .

المصدر: ( كتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة . القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى ج 3 – ص 439 ) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز : الغناء محرم عند جمهور أهل العمل وإذا كان معه آلة لهو كالموسيقى والعود والرباب ونحو ذلك حرم بإجماع المسلمين .
المصدر:( فتاوي إسلامية ج 4 – ص 394 ) .
وكما أفتى سماحته بتحريم الأناشيد التي فيها طبول .
المصدر: ( فتاوي إسلامية ج 4 – 390 ) .
 أفتى الشيخ المحدث الألباني بتحريم الغناء والمعازف وقال : إن العلماء والفقهاء – وفيهم الأئمة الأربعة – متفقون على تحريم آلات الطرب إتباعا للأحاديث النبوية والآثار السلفية وإن صح عن بعضهم خلافة فهو محجوج بما ذكر والله عز وجل يقول ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً )
المصدر: . ( كتاب تحريم آلات الطرب للألباني ص 105 ) .
العلم بأنواعه, والفن بأنواعه... حراااااام..... هذا هو الإسلام حيث لا مكان للإبداع أو الإنشاء فيه, وجد ليهدم لا ليبني, وجد ليستهلك لا لينتج,وجد ليقتل لا ليحيي, دين أموات لا حياة فيه, وجود مثل هكذا دين ليس خطر على متبعه فحسب بل على الحضارة البشرية كاملًة.
لكن مرة أخرى سأذهب معك عزيزي المسلم إلى ابعد من هذا, وسأعتبر أن كل ما ذُكر بالأعلى هو عبارة عن تلفيق أكاذيب على دينك الحنيف ,على دين الحضارة و الإبداع والإنشاء والتقدم, على دين يدعو متبعه لنشر والسعادة والموسيقى والحب في سبيل الله لا الموت في سبيل الله, يدعو لتطوير أدوية كيميائية لشفاء المرضى بدلًا عن شرب أبوال حيوانات ملوثة بأكثر الفيروسات فتكًا, دين يدعو لاستكشاف الفضاء, والكون بدلًا عن تعليم الناس كيفيه حفر قبر ميت في الأرض,
دين يدعو الإنسان ليفهم نفسه وجعله ينتقل بالفلسفة ليكتشف نفسه ويفهمها ليكون إنسان جديدًا مبدعًا في حياته ولا يدعو لتحريم ذلك العلم لمجرد أنه يختلف مع بعض النصوص الإلهيةِ السخيفة.
نعم, سأعتبر للمرة المليون أن دينك دين حضاري و دين يدعو لبناء الحضارة. أذا أجبتني على هذا السؤال.
على أكتاف من العلماء نهض العصر الذهبي للإسلام؟.
أنا سأجيبك, هم... (جابر بن حيان, الخوارزمي, المطريجي, أبن طفيل, الجاحظ, أبن شاكر, الكندي, عباس بن فرناس, ثابت بن قرة, ابن سينا, اليعقوبي, الرازي, الفارابي, المسعودي, مسكريه, ابن الهيثم, ابن النديم, المعري, الإدريسي, الطوسي, أبن جبير, الطوسي, أبن البناء, ابن بطوطة...... وغيرهم الكثير. )
كلنا نعلم من هؤلاء, فلا احد منهم إلا ووجدت مدرسةٌ ومشفىً أو شارعٌ أو حديقةٌ وحتى... مساجد. إلا سميت بأسمائهم, لكن هل تعلم عزيزي المسلم ما هو القاسم المشترك بين هؤلاء العمالقة بالأعلى ؟.
لن أقول أن كلهم ملحدون لكن جميعهم خارج منظومة الإسلام, وكلهم كفروا بذاك الدين, أي كانوا لا أدريين, وربوبيين, ولادينيين, وملحدين.
والآن ماذا بقيَّ لديكم لتقولوه؟. الدين الذي تصوغوّن أسمه بتلك الحضارة لم يكن دين يدعو للبناء الحضارات من الأساس بل... ودعها لهدمها, حرم العلم, والفن, و نشر الموت والخراب, فلا مكان في هذه الأرض يقع فيه عمل إرهابي إلا والإسلام واضعٌ بصمته فيها, فسوريا والعراق و الإيزيديين الآن كلهم شعوب وحضارات وأديان مهددة بالإزالة  من تاريخ وعن جغرافيا العالم, والفضل يعوّد طبعًا ومن دون أدنى شكٍ  لدين الحضارات والرقي والفن والعلم -عن دين الإسلام نتحدث- فذلك الدين العظيم الذي نزل رحمة للعالمين, اليوم هو أكثر الفيروسات خطرًا على جسد الإنسانية والحضارة البشرية, وإزالة هذا الدين أصبحت واجبًا إنسانيا على عاتق البشرية بكاملها.
كفاكم دجلًا وكذِبًا وخداعًا, ومراوغةً, فذلك لم يعد يفيدكم, التاريخ حيٌ لا يموت, فكما سرق نبيكم أساطير الأولين ليصنع بها دينكم, انتم اليوم تحاولون سرقة جهد علماء تكفرونهم وتشتمونهم ليل نهار لتصنعوا به حضارة لكم.
دينكم يحتضر...... ووصل لنهاية مشواره, لم يعد لديكم أي شيء لتواجهوا به العالم سوى التخلف والجهل والقبيلة والتعصب, وهذه الأمور الأربع هي من ستسرع سقوط دينكم.

لا تبنى الحضارات بشرائع أديان تدعو لهدم أساسياتها.

ما هو الإلحاد



ما هو الإلحاد ... 


“الإلحاد(Atheism)، بمفهومه العام، هو رفض الإيمان بوجود آلهة”، هكذا يتمّ تعريف الإلحاد في موقع ويكيبيديا، أمّا الكلمة المستخدمة للتعبير عن ماهيّة الإلحاد في الإنجليزية (Atheism) فهي مشتقّة من الكلمة الإغريقيّة (Atheos) والتي تعني “بدون آلهة” حيث كانت تستخدم لوصف أولئك الذين يرفضون الإيمان بوجود الآلهة التي كانت تُعبد في مجتمعاتهم.إن فهم ماهيّة الإلحاد على نحو دقيق يتطلّب الانطلاق من توضيح فكرة رئيسيّة في هذا الإطار، وهي أنّ الملحدين لا يتّخذوا جميعاً الموقف نفسه من الوجود الإلهي، في كتابه الشهير ” وهم الآله” يضع عالم البيولوجيا المعروف بإلحاده ” ريتشارد دوكينز” مقياساً لموقف البشر من السؤال الإلهي هذا بسبع درجات مصنّفة كما يلي:
1-      مؤمنٌ بقوّة بوجود إله، وهو الإنسان الذي تبلغ احتمالية وجود الإله في معتقده 100%، وبمكن تلخيص قناعته بوجود إله بعبارة كارل يونج “أنا لا أؤمن، أنا أعرف”
2-       مؤمن بوجود الإلهبحكم الأمر الواقع (أيّ باللاتينيّة “دي فكتو”)، وتوصف احتماليّة وجود الإله عنده بأنّها عالية جداً، لكنّها أقلّ من 100%. “أنا لا اعرف بشكلٍ مؤكّد، لكنّي أؤمن بقوّةٍ بوجود إله، و أعيش حياتي على اعتبار أنّه موجود”
3-       المؤمن الضعيف – الميل تجاه الإيمان بإله، حيث تمثّل احتمالية وجود إله أكثر من 50%، لكنها ليست عاليه جدا. “أنا لست متأكداً إلى حدّ كبير، ولكن أميل إلى الاعتقاد بوجود إله”.
4-       الحياد التام “تتساوى عندي نسبة احتمال وجود إله مع نسبة احتمال عدم وجوده”
5-       الملحد الضعيف – الميل تجاه وجود إله أقل من 50 %، لكنها لسيت قليله جدا. “أنا لا أعرف إن كان الإله موجودا أم لا، لكني أميل الى الشك بوجوده.
6-       الإلحاد بحكم الأمر الواقع، حيث تكون نسبة الإيمان بوجود إله قليلة جدا، لكنها لا تصل الى الصفر. “أنا لا أعرف بشكل مطلق، لكني أعتقد أن وجود إله هو احتمال ضئيل جدا، و أعيش حياتي على اعتبار أنه غير موجود.
7-      ملحد بقوه “أنا أعرف أنّ الإله غير موجود بنفس الدرجه التي يعرف بها كارل يونج أنه موجود”.
ويرى دوكينز أن كثيراً من المؤمنين يصنفون إيمانهم على أنه من الدرجه “1” بسبب موقف أديانهم الصارم من الشكّ، بينما لا يصنّفُ أغلب الملحدين أنفسهم بـالدرجه “7” لأنّ الإلحاد تشكّل جرّاء غياب الدليل على وجود الإله، ومن ثمّ فإنّ الملحد قد يغيّر موقفه متى ما كان هنالك دليل، ويضع دوكينز مستوى إلحاده في الدرجة “6”حسب هذا المقياس.


وفي سياق مشابه متعلّق بماهيّة الإلحاد يعمد الكاتب الأمريكي جورج هاملتون سميث إلى تقسيم الإلحاد الى قسمين؛ الإلحاد الولاديّ (الفطري), والإلحاد المشروح. حيث يمثّل النمط الأول من الإلحاد (الإلحاد الولادي) الإلحادَ الفطريّ :الناتج عن عدم تعرّف الشخص على مفهوم الآلهة، ويشمل مثلا الأطفال حديثي الولادة أو الأطفال الذي لم يفهموا مبدأ الألوهية بعد, فضلاً عن البالغين الذين لم يسمعوا بهذه الفكرة في حياتهم.
أما الإلحاد المشروح, فهو الإلحاد القائم على أدلّة عقليّة، والذي ينتجُ عن رفض فكرة وجود الآلهة بعد التفكير بها واستنتاج أنها غير منطقية.
إنّ الحجج التي يستخدمها الملحدون لتبرير عدم إيمانهم بوجود آلهة تتعدّد بتعدّد الحقول المعرفيّة ، فبعضها يأخذ بعداً فلسفيّ الطابع، وبعضها علميّ، أو اجتماعيّ، أو حتى تاريخيّ. وستحاول هذه المقالة أن تقدّم شرحاً لبعض هذه الحجج على نحو مختصر.
حجة عدم وجود الدليل الموضوعي: وتعني عدم وجود أيّ دليل علميّ أو منطقيّ يدلُّ على وجود إله خالق للكون، حيث لم يتمكّن أيّ عالم في أيّ من مجالات العلم إثبات وجود إله لهذا الكون، فضلا عن ذلك فإنّ العالم تشارلز داروين اثبت عن طريق نظرية التطوركيفية  تطوّر الإنسان  وأنّ هذا التطوّر لا بحتاج لتدخل من قِبل إله. ولهذا فالانسان لا يدل علي خالق، بل علي آليّات تسبّبت في نشأته وتطوّره ، أي أن وجود الإنسان بحد ذاته ليس دليلاً علي إله أو حتّي وجود صانع أو خالق  لان العلاقة ليست متعدّية . وأن الاشياء تدّل علي صانعها [ فقط ] نتيجة معرفتنا بأنها مصنوعة ، بالاضافة إلي إختلاف صفاتها عمّ نراه حولنا يتولّد بشكلٍ طبيعيّ ، والتطوّر بيّن لنا ذلك والأدلة كثيرة علي عدم الحاجة للآلهة من أجل تفسير التعقيد الذي نراه في الكائنات الحية. كذلك كتب ستيفن هاوكينغ -عالم الفيرياء الشهير في- كتابه “التصميم العظيم” أنّ قوانين الفيزياء لم تترك مساحة لوجود إله، و يرى العالم ريتشارد داوكنز في السياق نفسه أن وجود إله متصف بصفات الكمال منذ الأزل هو أكثر صعوبة وأقل احتمالاً من نشوء الكون والحياة لأنهما لا يتصفا بصفات الكمال، بمعنى أن افتراض وجود إله حسب رأي داوكنز يستبدل معضلة وجود الكون بمعضلة أكبر وهي كيفية وجود الإله الكامل منذ الأزل.
فكرة الشرّ أو الشيطان في النصوص الدينية: يرى الفيلسوف الإغريقي أبيقور أن الجمع بين صفتي القدرة المطلقة والعلم المطلق يتعارضُ مع صفة العدل المطلق للإله؛ وذلك لوجود الشرّ في العالم، حيث يقول أبيقور: ” إذا كان الإله يريد أن يمنع الشرّ, لكنه لا يقدر، فإنّ هذا يعني أنّه ليس كليّ القدرة !! لكن، إن كان الإله قادراً على منع الشرّ، لكنّه لا يريد منعه فحينئذ هو شرير!! وإن كان قادراً على منع الشرّ، ويريد منعه، فمن أين يأتي الشرّ؟ أو ربما يكون غير قادر على منع الشرّ ولا يريدُ ذلك، وفي كلّ الأحوال فلماذا نُطلق عليه ” إله” إذن؟”. وفي مقابل  معضلة أبيقور هذه لا ترى المذاهب الإسلامية السائدة تعارضاً بين وجود الشرّ ووجود إله عليم وقدير وعادل، حيث إنّهم ينفون مسؤولية الإله عن أفعال العباد لأجل تنزيه الإله عن فعل الشر، لكن ذلك لا يفسّر الشرّ الناتج عن الحوادث الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالزلازل مثلا.
حجة عدم الإيمان, وتعرف أيضاً بـحجة الاختباء الإلهي, وهي حجة فلسفيّة ضد وجود الإله. وأساس الحجة هو أنه إذا كان هناك إلهٌ موجودٌ (ويريد أن يعرف البشر بوجوده), فإنه كان سيخلق حالةً ما تمكّن كلّ شخص منطقيّ من الإيمان به, لكن هنالك أشخاص منطقيون غير مؤمنين بوجود إله، لذا فإن هذا يحتسب ضد وجود الإله الذي لم يعطِ دليلاً موضوعيّاً على وجوده، هذه الحجة تشبه حجة الشرّ التقليدية في أنّ كليهما تؤكدان على عدم التناسق بين العالم الموجود حالياً والعالم الذي يجب أن يوجد إذا كان لدى الإله رغبات معيّنة مع القدرة على تحقيقها، وقد كانت هذه الحجة موضوع كتاب شيلينبيرغ “الاختباء الإلهي ومنطق الإنسان” المنشور سنة 1993، و هي حجّة تم طرحها من قبل فلاسفة آخرين منهم ثيودور درانج.
حجة الوحي غير المتناسق, و تعرف أيضاً بـمشكلة تجنّب الجحيم الخاطئ وهي حجة ونقاش يعارضان وجود الإله. وهي تؤكد أن وجود الإله غير محتمل لأنّ كثيراً من علماء اللاهوت ومتبعي الديانات والمؤمنين يؤمنون بوحي متضارب يلغي بعضه بعضاً. تقول الحجة بأنه، وانطلاقاً من أن الشخص الذي لم يكشف له الوحي بشكل مباشر عليه أن يقبله أو يرفضه اعتماداً على مصداقية المؤيدين له فقط، وبما أنه ليس هناك طريقة يمكن بها لبشر عادي التأكد من هذه الادعاءات المتضاربة والتحقق من صحّتها, فإنه من الأسلم احتفاظ الشخص برأيه في هذا المجال. كما تناقش هذه الحجة صعوبة قول وجود أي إله واحد دون وحي شخصي. حيث أن كثيراً من الحجج التي تذكر تأييداً لوجود الإله ليست خاصة بديانة محددة ويمكن تطبيقها بنفس درجة الموثوقية تقريباً على ديانات كثيرة أخرى. وبذا فإن قبول أي ديانة محددة يتطلب رفض الديانات الأخرى, لكن عندما نواجه هذه الادعاءات المتنافسة فيما بينها في ظل غياب الوحي الشخصي المباشر, ترى الحجة أنه من الصعوبة بمكان الاختيار بينهم. وإذا تم كشف وحي شخصي مباشر لشخص غير مؤمن, فإن المشكلة المربكة ذاتها ستظهر عند كل شخص جديد يخبره المؤمن بالوحي. على سبيل المثال إذا كان هناك أكثر من ديانتين متباينتين فإن احتمالية أن الشخص الذي اختار الإيمان بأي من الديانتين قد قام باختيار الدين الصحيح سيكون أقل من 50% أو النصف. فبما أن هناك المئات من الديانات موجودة في العالم وبعضها ينقسم إلى الكثير من الطوائف التي لديها تفسيراتها المتضاربة, فإن احتمالية أن تكون ديانة شخصٍ ما هي الديانة الصحيحة (مع استبعاد كل الديانات الأخرى) ضئيل جداً. تظهر هذه الحجة في رواية كانديد وقاموس الفلسفة لفولتير. وتظهر أيضاً في تصريح دنيس ديدرو بأن “أي دلائل تساق للدلالة على وجود الإله في المسيحية أو أي ديانة أخرى، فإن إماماً إسلامياً يمكنه أن يقيم الحجة بالطريقة نفسها”
حجة ضعف التصميم, وهي حجة فلسفية ضدّ وجود الإله وتحديداً ضد وجود إله خالق (بمعنى وجود إله خلق بشكل مباشر كل أشكال الحياة)، وهي مبنيّة على فكرة أنّ الإله الخالق ذو العلم والقدرة والخير غير المتناهيات سيخلق أحياء ذات تصميم مثالي. بما أنّ بعض الأحياء لديها خصائص ليست مثالية (كالتشوه الولادي, عدم وجود أيّ فائدة لبعض الأعضاء في أجسام بعض الكائنات الحيه),لذا فإن الإله لم يخلق هذه الأحياء أو أنه ليس ذا علم وقدرة وخير غير متناهيات.
إله الفراغات, هو نوع من النقاش في اللاهوت والذي يتم خلاله جعل الفراغات (النقص) في المعرفة العلمية دليلاً على وجود الإله، وهو ما يعني أن دور الإله يتحدد في الـ”فجوات” في التفسيرات العلمية للطبيعة مما يمكننا من القول أنه كلما تمكّن العلم من إعطاء شرح أدق للعالم قل دور الإله في هذا العالم. يعود هذا المصطلح إلى هنري دروموند الذي كان محاضراً مسيحياً في القرن التاسع عشر. ينتقد دروموند المسيحيين الذين يركزون على الأشياء التي لايستطيع العلم تفسيرها “الفراغات التي يملؤونها عن طريق الإله”. عبّر ديتريش لونهويفير في القرن العشرين عن المفهوم ذاته باستعمال المطلحات في رسائل كتبها عندما كان في السجن النازي خلال الحرب العالمية الثانية والتي لم يتم نشرها حتى أعوامٍ لاحقة. كتب لونهويفير مثلاً “…كم من الخاطئ استعمال الإله لسد الفراغات في معرفتنا المنقوصة. في الحقيقة إذا تم دفع (توسيع) حدود المعرفة أكثر فأكثر (وهذا محتم الحدوث) فإن الإله سيتم دفعه (تضييقه) معهم. وبالتالي سيتراجع بشكل مستمر. يجب أن نجد الإله فيما نعرفه وليس فيما لا نعرفه”. فصل ريتشارد بيوب الحديث عن المصطلح في كتاب نشر عام 1978. حيث رأى فيه أن جزءاً من سبب الأزمة المعاصرة في الإيمان بالأديان يعود إلى تقلص إله الفراغات بتطور المعرفة العلمية. فبينما ازداد وتقدم فهم الإنسان للطبيعة, صغر بالمقارنة مجال الإله أكثر فأكثر. ويرى بيوب أن كتاب أصل الأنواع لـتشارلز داروين كان إيذاناً حاسماً بنهاية إله الفراغات.
إبريق راسل، الذي يدعى أحياناً بالإبريق الكوني، هو تشبيه كان أول من صاغه الفيلسوف بيرتراند راسل (1872 – 1970)، هادفاً إلى دحض فكرة أن هناك عبء إثبات فلسفي يقع على المشككين لإثبات عدم صحة ادعاءات الأديان بأنها غير خاطئة. في مقال كتب لكن لم ينشر قط بعنوان “هل هناك خالق؟”، لمجلة المصور في 1952، كتب راسل:”إذا أمكنني أن أشير أنه يوجد بين الأرض والمريخ إبريق مصنوع من الخزف الصيني يدور حول الشمس في مدار بيضاوي، لا يمكن لأحد أن يدحض افتراضي، إذا كنت حريصاً على ذكر أن الإبريق أصغر من أن تراه أقوى التلسكوبات الموجودة عندنا. و إذا انتقلت إلى الادعاء بأن افتراضي يتمتع بخاصية أنه لا يمكن اثبات عدم صحته، وبذلك فانه من غير المقبول لأي عقل بشري متزن أن يشكك في صحته، فبالتأكيد يجب أن يعتبرني الناس أتحدث بجنون خالص. ورغم ذلك فإنه إذا وجد في نصوص قديمة ما يؤكد وجود مثل ذلك الإبريق، واعتبر كشيء مقدس كل يوم أحد، وزرع في عقول الأولاد الصغار في المدرسة، فإن شككت في وجوده فسيكون ذلك علامة على عدم الاتزان، ويجذب ذلك المشكك انتباهات طبيب نفساني في عصر مستنير كعصرنا أو أي فضولي في العصور السحيقة.” .
"هذه الحجج كلها تستند على مبدأ واحد، وهو أن الإلحاد هو رفض الإيمان بوجود الإله بغياب الدليل, وأن على الذي يفترض وجود إله ويطلب تصديقه بيان حجته وإثباتها بالأدلة. ولا يتوجب على الملحد بيان أدلته على إلحاده لأنه لا يفترض شيئا (لا تشمل هذه الفقرة الملحدين من الدرجة”7″ حسب مقياس داوكنز) حيث أن الملحد لا يقترض عدم وجود الإله (كما هو شائع خطأً) بل إنه فقط لا يرى أي دليل يدفعه لتصديق ذلك."

المصادر ...
-          Atheism – Wikipedia
http://en.wikipedia.org/wiki/Atheism
-          الالحاد – ويكيبديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF
-          حجة عدم الايمان
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%AC%D8%A9_%D8%B9%D8%AF%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86
-          حجة ضعف التصميم
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%AC%D8%A9_%D8%B6%D8%B9%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%85%D9%8A%D9%85
-          اله الفراغات
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%84%D9%87_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%BA%D8%A7%D8%AA
-          مشكلة الشر
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1
-          ابريق راسل
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%82_%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D9%84
ملاحظة: قد تم تدقيق جميع المصادر المذكورة في صفحات ويكيبديا للتأكد من صحة المعلومات المذكورة, ينصح بمراجعة الكتب التالية للاطلاع على الموضوع بشكل مفصل:
-          وهم الاله (The GOD Delusion)  لريتشارد داوكنز
-          الاله ليس عظيماً (God Is Not Great)  لكريستوفر هيتشنز
-          العرض الأكبر على الأرض – دليل التطور (The Greatest Show On Earth – Evidence For Evolision)  لريتشارد داوكنز
-          العالم المسكون بالشيطان (The Demon Haunted World)  لكارل ساجان
-          التصميم العظيم (Grand Design)  لستيفن هاوكنغ
-          الاختباء الالهي والمنطق الانساني (Divine Hiddeness and Human Reason)  لجون شيلينبيرغ

المسيح : رسول من الجحيم (6)

المسيح : رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع



الجزء السادس :
- يسوع يأمر بالتمسك يبشاعات العهد القديم-
و يمتنع عن ممارسة النظافة الشخصية أيضا.
- ((مليء بالتشويق؛ يحتوي على شعر نبيل، و بعض الخرافات الذكية، و بعض التاريخ المنغمس في الدم، و بعض الأخلاق الجيدة، و ثروة من الفُحش، و أكثر من ألف كذبة)) – الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين، متحدثا عن الكتاب المقدس.
من الإنصاف الإشارة مرة أخرى إلى أن الكتاب المقدس العبري ليس كله شر؛ بل هو يحتوي بين دفتيه على العديد من النصوص الأخلاقية الطيبة هنا و هناك، و التي تحض على العدل و الرحمة و التكافل و مساعدة الغريب و الرفق بالضعفاء و العبيد و حتى بالحيوان ؛ و لكنه على الجانب الآخر بالفعل يحتوي على الكثير من القسوة و الهمجية و اللامنطق، حتى بمقاييس عصره، و بالمقارنة مع التراث الإنساني الآخر في تلك الأزمان.
ما نود تأكيده هنا هو أن يسوع، الذي أقر بعض أمور في العهد القديم و رفض أمورا أخرى، لم يقم بذلك على أساس أخلاقي فأقر الخير و استبعد الشر –لا، بل في أحيان كثيرة فعل العكس تماما فرفض الخير في العهد القديم، و تمسك بالشر.
مثال، طريف نوعا نجده في إحدى جدالاته الحادة مع بعض الجماعات اليهودية، حيث نراهم يتهمونه هو و تلاميذه بمخالفة التقاليد ، لأنهم لا يقومون بغسل أيديهم قبل الأكل (حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟"..) متى 15-1،2.
التلبّس بالقذارة؛ ياله من موقف محرج!
فهل نتوقع أن يعتذر يسوع و يجري مع تلاميذه إلى أقرب مصدر مياه نظيفة ليغسلوا أيديهم؟
مطلقا؛ فمن رابع المستحيلات أن يقوم المسيح بالإعتذار عن شيء فعله أو يعترف بأي خطأ قد يسيء إلى مظهره أمام أتباعه ؛ بل سيجادل اليهود الفريسيين بكل عناد و يقلب الطاولة عليهم حالا.
(..فَأَجَابَ: "وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟" فَإِنَّ اللَّهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمْ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!) متى 15-3،6.
و المعنى باختصار : أنتم أيضا تخالفون وصايا الله؛ كيف؟
لأنكم لا تقتلون الأبناء العاصين، كما تنص التوراة!
و في إنجيل مرقس ترد الواقعة بتفصيل أكثر (وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضاً مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ لاَمُوا -لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ لاَ يَأْكُلُونَ مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: "لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟"فَأَجَابَ: "حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ". ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "حَسَناً! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ. لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمُ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ أَيْ هَدِيَّةٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئاً لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللَّهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُوراً كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ".) مرقس 7-1،13.
هنا نجد عدة مغالطات- بل و كوارث- منطقية و أخلاقية- في موقف يسوع:
المغالطة الأولى المنطقية هي الهروب من الموضوع الرئيسي إلى موضوع آخر فرعي بدلا من إعطاء الجواب المباشر ، فقط ليرد التهمة إلى من يتهمه – و هو أسلوب جدال مراهق يهتم بكسب النقاط ضد الخصم بدلا من توضيح الأمور، على طريقة "خير وسيلة للدفاع الهجوم".
المصيبة الثانية أخلاقية و هي إقرار قتل الأبناء العصاة، حسب التمسك الصارم بما جاء في التوراة مهما كان تعسفيا أو قاسيا - بل و معاتبة من يقرر التغاضي عن تلك العادة الهمجية و يفضل الرحمة، و شن الإتهامات ضدهم!
و لنراجع النصوص التوراتية التي تأمر، ليس بضرب أو تأديب، و إنما بقتل، ليس فقط من ضرب أباه و أمه أو شتمهما، بل كل من لا يطيعهما (وَمَنْ ضَرَبَ ابَاهُ اوْ امَّهُ يُقْتَلُ قَتْلا) خروج 21-15 ، (كُلُّ انْسَانٍ سَبَّ ابَاهُ اوْ امَّهُ فَانَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ ابَاهُ اوْ امَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ) لاويين 20-9 ، (إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلا لِقَوْلِ أُمِّهِ وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلا يَسْمَعُ لهُمَا. يُمْسِكُهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَيَأْتِيَانِ بِهِ إِلى شُيُوخِ مَدِينَتِهِ وَإِلى بَابِ مَكَانِهِ وَيَقُولانِ لِشُيُوخِ مَدِينَتِهِ: ابْنُنَا هَذَا مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِنَا وَهُوَ مُسْرِفٌ وَسِكِّيرٌ. فَيَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيل وَيَخَافُونَ) تثنية 21-18،21.
تلك هي وصايا رب اليهودية، و من الواضح أن رب المسيحية يرفض بشدة أي تساهل في هذه الوصايا العظيمة ، و يصف من يماطل في تطبيقها بالمرائي و باطل الإيمان.
المصيبة الثالثة سلوكية، و هي ترسيخ القذارة و عدم غسل اليدين، و ربما عدم غسل الأطباق أيضا – فكاتب الإنجيل يتحدث عن غسل الأواني قبل الأكل بشيء من التعجب، و كأنها كانت عادة خاصة باليهود الفريسيين وحدهم!
و إن كان غسل اليدين قبل الأكل و الأواني هو عادة مبتدعة، فهي تظل عادة نظيفة بل ضرورية جدا ، فات إله التوراة أن يشير إليها حين كان يخاطب موسى في صحراء سيناء منذ أكثر من ألف سنة.
و من بقية النقاش نرى الحجة التي استخدمها يسوع للدفاع عن ذلك السلوك (..ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: "اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هَذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ"). متى 15-10،11.
بمعنى آخر: المهم هو ما نتكلم به، لا ما نأكله.
أما الشطر الأول فصحيح تماما: الكلمة السليمة "النظيفة" أمر مهم للغاية ؛ و لكن يا ترى لماذا تربطها بالشطر الثاني فتظهر المسألة و كأن الطعام القذر ليس فيه أي مشكلة؟!
و هذه هي المغالطة- المنطقية- الرابعة: وضع العسل في السم ؛ المسيح هنا يشبه شخصا يريد إخبار من حوله أن "الجوهر الداخلي أهم من المظهر الخارجي"، فإذا به يسير في الشارع عاريا! ، أو يريد إخبارهم أن "نظافة القلب أهم من نظافة الجسد" فإذ به يمتنع عن الإستحمام! - إن كانت هذه وسيلة للإقناع أو التعليم فهي وسيلة كاريكاتورية متطرفة و ساذجة للغاية.
"اغسل يدك من القذارة المادية، و نظف فمك أيضا من القذارة المعنوية"؛ ألم يكن بإمكانك أن تقولها لهم بهذا الشكل البسيط ، بدلا من أن تجازف بتعريض، ليس تلاميذك فقط للعديد من الأمراض ، و إنما أيضا أتباعك المحتملين في أزمنة لاحقة لن تكون موجودا فيها بقدراتك الخارقة لتشفيهم؟!
و حين سيخبره التلاميذ أن الفريسيين تقززوا و اشمأزوا من كلامه (و معهم ألف حق)، سيلجأ -كعادته- إلى الهجوم المضاد و شتم من يخالفه (..حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوا لَهُ: "أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟" فَأَجَابَ: "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ") متى 15- 12،14.
صدقت يا رب المجد ، ألف لعنة على أولئك العميان الذين يصرون على غسل أيديهم قبل الأكل، متوهمين أن الطعام القذر قد يضر بالإنسان!
و العبارة الأخيرة قد تفسر لنا جزئيا موقف المسيح، فهو – كم سنرى في مواقف أخرى- مهتم كثيرا بمعاندة الكهنة و إسقاط هيبتهم أمام الناس بأي شكل، بهدف تلميع نفسه وسطهم كنجم جديد منافس.
ثم إن هذا الموقف اليسوعي – الإمتناع عن غسل اليدين ثم التحجج بأن المهم الأخلاق لا النظافة – سنجده يتكرر في موقف آخر له مع أحد الفريسيين (..وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: "أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافاً وَخُبْثاً. يَا أَغْبِيَاءُ أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضاً؟ بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيّاً لَكُمْ") لوقا 11-37،41.
ثم يستمر المسيح بكل غلظة، حتى آخر السفر، في كيل الإهانات لمن استضافه في بيته، و شتم قومه و ثقافته و عاداته، فقط لأنه أبدى تعجبه من تمسك يسوع بالقذارة.
هنا تتكرر المغالطة الأولى في الموقف السابق (الرد على الإتهام باتهامات أخرى)؛ و كذلك للمغالطة الرابعة (خلط الصواب بالخطأ)، و التي تلبس هنا ثوب مغالطة طبية و معرفية: الإدعاء بأن البر الأخلاقي يعفينا من التطهر المادي: لو قلت كلاما طيبا و تصدقت فلن يضرك الطعام المليء بالأتربة و القاذورات – فيبدو أن رب المجد المتجسّد لم يسمع في حياته عن الباكتيريا أو الجراثيم!
و الأسوأ أن تكرار الموقف بهذا الشكل يثير الشك في أن الأكل بأيدي قذرة ، في الواقعة الأولى، لم يكن محض سلوك مفتعل من يسوع لمرة واحدة على سبيل تعليم اليهود درسا فحسب كما قد يظن الشخص سليم النية، و إنما هو على ما يبدو عادة متأصلة عنده و عند أتباعه الأوائل.
فيا ترى هل يستطيع أي مسيحي اليوم أن يتبع هذا السلوك اليسوعي، فيأكل بأيدي قذرة، ثم ينطق بالخير و يتصدق بالمال، و يثق أن هذا كفيل بتنقية كل ما يدخل إلى معدته؟ أشك بقوة.
المؤكد أنه لو كان ذلك الداعية اليهودي قد تلقى أدنى قدر من التعليم، أو أنه يملك حسا أخلاقيا بسيطا، لأدرك بسهولة أن غسل اليدين ضروري، و أن قتل الأبناء المتمردين قسوة و سخافة، و أنه ببساطة ليس كل الآباء و الأمهات يستحقون التكريم و الطاعة، فقط لمجرد كونهم آباء و أمهات؛ و لأدرك بالتالي أن تقاليد اليهود المعاصرين له -في تلك الحالة على الأقل- أفضل نسبيا من وصايا إله اليهودية، و الذي يبدو إله المسيحية هنا مماثلا له تماما في السذاجة التبسيطية و قلة المعرفة و الإفتقار إلى المنطق.

المسيح : رسول من الجحيم (5)

المسيح : رسول من الجحيم (5)

المسيح: رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع

الجزء الخامس :
- عن الكلاب و أسيادهم-
في إحدى المناسبات جاءته امرأة "أممية" (غير إسرائيلية) ، تخبره أن ابنتها مريضة و ترجوه أن يشفيها بقدراته (وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: "ارْحَمْنِي يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ. ابْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّاً"..)
يالها من فرصة ممتازة ليسوع لإظهار اهتمام رب المجد بالبشر عموما، حتى لو كانوا غير يهود، أليس كذلك؟
لكن للأسف، يخبرنا الكاتب أن يسوع (..لَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ..) ، بمعنى آخر تجاهلها تماما.
مع ذلك فالمرأة لم تنصرف، بل ظلت تسير وراءه و تلح عليه؛ و يبدو أن صياحها أزعج آذان تلاميذ يسوع اليهود مرهفي الحس (..فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!"..).
فماذا سيفعل يسوع الرحيم؟ هل سيعتذر لها لأنه تجاهلها في البداية؟ هل سيستجيب لها فورا و يشفي ابنتها المريضة في المنزل؟
للأسف لا؛ و إنما (..أَجَابَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"..).
بمعنى آخر: تخصصي هو اليهود فقط – الآخرون لا يهمونني في شيء.
و لنفهم طبيعة ذلك التصرف- بمقاييس عصرنا – فهو يبدو كطبيب نابغة مسلم مثلا يكتب على باب مشفاه لافتة تقول : العلاج للمرضى المسلمين فقط - و حين يأتيه مرضى في حالات الطوارئ يتفحص بطاقاتهم الشخصية أولا ، فإذا وجدهم غير مسلمين تجاهل علاجهم و طردهم فورا!
نعود إلى المرأة المسكينة التي تمادت في الإلحاح، فسجدت ليسوع – وضعت وجهها أمامه في تراب الأرض، مستمرة في التوسل (..فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ أَعِنِّي!"..).
ماذا الآن؟! هل سيرق قلب رب المجد؟
ليس بعد؛ بل سيهتم أولا بتوضيح حقيقة مهمة للغاية للمرأة (..فَأَجَابَ: "لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ"..).
و في حالة لو كنت تتساءل فالمعنى واضح تماما : البنون هنا هم اليهود، و الكلاب- نعم- هم الآخرون، جميع غير اليهود، باقي البشر، أنا و أنت و أهلي و أهلك؛ و بالطبع كما هو معلوم ليس من الجيد أن تؤخذ بركة الأبناء و تمنح للكلاب.
ربما في ظروف أخرى كانت السيدة لتنتفض غضبا على الرجل جراء تلك الإهانة، و تقوم بلعنه و لعن أسلافه و قومه واحدا واحدا – لكن يبدو أن صورة ابنتها المريضة في ذهنها لم تترك أمامها إلا سبيل واحد: المزيد و المزيد من التذلل لهذا الذي يشتمها، ظنا منها أنه يستطيع إنقاذ ابنتها.
(..فَقَالَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا"..).
إذن، في النهاية لا مانع من أن تنعم الكلاب غير اليهودية القابعة تحت الموائد ، ببعض من الفتات الساقط من أفواه البنين اليهود، أسيادها و أربابها.
و بالفعل، يبدو أن تلك الكلمات الأخيرة قد راقت ليسوع.
(..حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" . فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ).
يزعم البعض أن يسوع كان يختبر إيمان المرأة(!)؛ و هذا يصح فقط لو كان المقصود بالإيمان هو مدى تقبل الإنسان للشتم و للذل، و الحق يقال فقد أثبتت في ذلك نجاحا كبيرا.
و هذا يجعلنا نتصور الوضع العكسي: لو أنها رفضت الإهانة و أكدت أن البشر سواسية؛ حينها كانت المسكينة ستفشل في الإختبار اليسوعي و تثبت أن إيمانها ضعيف- فياله من منطق!
و ربما هذا هو المغزى من القصة الرائعة: حقا، هل هناك إيمان أعظم من أن يضطرك قلبك المكلوم، بسبب ابنتك المريضة، إلى التذلل و تعفير وجهك في التراب و إهانة نفسك و أهلك و قومك أمام جمع من اليهود طلبا لشفاءها؟!
و لنقرأ النص مرة أخرى، كما هو مكتملا (وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: "ارْحَمْنِي يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ. ابْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّاً". لَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!" أَجَابَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ". فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ أَعِنِّي!" فَأَجَابَ: "لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". فَقَالَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا". حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" . فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ( متى 15-22،27
و في مرقس نجد صياغة مختلفة قليلا لنفس القصة:
(لأَنَّ امْرَأَةً كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَمِيَّةً وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً - فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: "دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". فَأَجَابَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ" . فَقَالَ لَهَا: "لأَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ") مرقس 7-25،29.
فما الذي يحدث هنا بالتحديد؟
- يسوع العنصري-
تؤكد التوراة بصراحة أن اليهود هم شعب الرب المُختار) لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِتَكُونَ لهُ شَعْباً خَاصّاً فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ) تثنية 14-2 و أيضا تثنية 7-6.
و قد أقام ذلك الرب عهدا مع جدهم إبراهيم، و لصالح ذريته من بعده (وَاقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي اجْيَالِهِمْ عَهْدا ابَدِيّا لاكُونَ الَها لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِك) تكوين 17-7 ؛ و سيتلو ذلك ما يؤكد أن عهد التفضيل إنما هو مع نسل يعقوب\إسرائيل تحديدا و ليس غيره ؛ بحيث أن الإسرائليين في تلك الحالة هم شعب خاص مقدس، مختار لله من دون جميع شعوب الأرض (فَالانَ انْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَانَّ لِي كُلَّ الارْضِ. وَانْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَامَّةً مُقَدَّسَةً) خروج 19-5.
و يتم توكيد ذلك الإصطفاء، و تلك النظرة الإلهية العنصرية الممجدة لليهود فوق سائر الأمم- المحتقرة دوما و الخارجة فيما يبدو عن دائرة اهتمام الخالق- مرة بعد مرة، عبر جميع نصوص العهد القديم؛ لأن الله على ما يبدو لم يرد التعامل مع أي شعب آخر (إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ) عاموس 3-2.
و بما أن يسوع – كما رأينا- كان في الأصل يهوديا تقليديا، من خلفية يهودية أبا عن جد، تلقى تعليما يهوديا، و كان ملتزما بالعقيدة و الشريعة اليهودية ، فلم يكن متوقعا أن يخالف الإسرائيليين في عنصريتهم، و لم يكن مستغربا أن يكون تعصبه لشعب الله المختار هي إحدى مظاهر يهوديته الأصيلة- حيث لا يهتم بالدعوة وسط غير اليهود، بل يأمر أتباعه بتجنب مناطق غير اليهودية ، و حيث لا يجد ثمة مشكلة في وصف اليهود بالبنين و سائر الأمم بالكلاب التي تأكل من خبز البنين الذي منحه لهم الرب حصريا.
هكذا في التراث العبراني نجد أن الرب لا يعبأ كثيرا بالمصريين أو البابليين أو الفينيقيين أو الفرس أو اليونانيين أو غيرهم ممن شيّد الحضارات العظيمة و من صاغ الفنون و الآداب و العلوم و الشرائع و القوانين الأديان و الأخلاق ؛ الكل كلاب و خارج دائرة اهتمام الرب، فيما عدا قبيلة رعاة بدو صحراويين من العصر البرونزي – هذه كانت نظرة اليهود، و من الواضح أنها كانت أيضا نظرة الداعية اليهودي يسوع المسيح.
أما القصة السابقة فهي لا تعارض العنصرية كما يدعي البعض، و إنما لو تأملناها فهي تؤكد تلك العنصرية و ترسخها.
و بإمكاننا التخيل: لو كان الرجل صاحب دعوة إنسانية حقا، ألم تكن تلك فرصة رائعة له كي يؤكد لتلك السيدة المسكينة، على الملأ و بوضوح أمام تلاميذه و أتباعه، أن البشر سواسية أمام الإله، و أن الأمم غير اليهودية ليست كلابا محتقرة كما كان يعتقد اليهود آنذاك؟
لكنه لم يفعل أيا من ذلك، بل تصرف كأي إسرائيلي عنصري مُستعلي ؛ و لم يستجب للمرأة إلا حين أقرت تشبيهه المسيء و العنصري و البغيض، عديم الأدب و اللياقة.
(إحدى المفارقات اليسوعية اللافتة نشاهدها في موقف آخر (متى 8- 5،13) حين يأتيه ضابط روماني صاحب نفوذ يطلب منه أن يشفي ابنه؛ فسنجد أن رب المجد المعتز بقوميته سيستجيب فورا فيعرض أن يذهب إلى منزل الرجل بنفسه ليقوم بالمهمة (أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ)، من دون أن ينبس بكلمة واحدة ضده أو ضد الرومان ؛ و في مرقس نص قد يوضح لنا سبب إضافي لاهتمامه بمساعدة ذلك الرجل، حيث قال له أصحابه عنه (إِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هَذَا.لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ) مرقس 7-4،5؛ فالرجل يستحق المساعدة بالأساس ربما لأنه يحب اليهود و ينفعهم، و ربما لأنه صاحب نفوذ، و ربما لأنه مدح يسوع بكلمتين).
و المفارقة الأكبر أنه لاحقا حين تفشل دعوة يسوع وسط شعبه، و مع تبلور الديانة الجديدة في ثوبها الروماني، سيتم عكس تلك العنصرية لتتحول إلى عنصرية مضادة لليهود!؛ و سيتم تبرير ذلك عن طريق اتهام اليهود بقتل الرب، و بمعاداة تلاميذه و رسله خاصة بولس ؛ و سوف يتم الإستشهاد بنصوص إنجيلية معادية لليهود مثل النص الذي يعترفون فيه جميعهم بقتل يسوع و يجعلون دمه عليهم و على أبنائهم (متى 27-25)، و ستُستخدم تلك النصوص لقمع و اضطهاد جميع اليهود في أوروبا عبر القرون الوسطى تحت الحكم الروماني المسيحي.

المسيح : رسول من الجحيم (4)

المسيح : رسول من الجحيم (4)

المسيح: رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع

الجزء الرابع : 
ثانيا: يسوع اليهودي
----------------------------
- مولود تحت الناموس-
- ((و من هم اليهود؟ عبيد هاربون من مصر؛ لم يصنعوا شيئا ذا أهمية أبدا؛ لم يكن لديهم أي وزن أو مكانة ، و لا نجد ذكرا لهم في التأريخ اليوناني)) – سيلسوس، الفيلسوف اليوناني الوثني و من أشهر نقاد المسيحية.
في متى 1-1،17 ، و لوقا 3-23،38، نجد نسختين من سلسلة نسب المسيح، اليهودية، أبا عن جد ؛ و بشكل عام نجد حرص الأناجيل في مواضع كثيرة على التأكيد على انتساب يسوع إلى سبط يهوذا الإسرائيلي، و تحديدا إلى الملك داود، و الذي تنص المعتقدات اليهودية- على أن ملوك اليهود ينبغي أن يأتوا من نسله.
و نعرف أيضا أن يوسف و مريم كانا يعيشان بكل تقوى وفقا للشريعة اليهودية، و يفعلان (كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ نَامُوسِ الرَّبِّ) لوقا 2- 39؛ و كذلك الحال مع خالته و زوجها الذين كانا (سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ) لوقا 1-6- مما يؤكد أننا نتحدث عن عائلة يهودية تقليدية متدينة و متبعة لكل ما في الشريعة الموسوية - و لاحقا سيقوم بولس بوصف يسوع بأنه (مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ) رسالة غلاطية 4-4.
و قد تم تطهير مريم بعد ولادة يسوع (لوقا 2-22) حسب شريعة موسى (لاويين 12-2) ، و قاموا بختان يسوع بعد ثمانية أيام من ولادته (لوقا 2-21) ، وفقا للشريعة اليهودية أيضا (تكوين 17-12 و لاويين 12-3) ، و قدما ذبيحة للرب (لوقا 2-24) حسب ما تنص الشريعة أيضا (لاويين 12-6،8)؛ و حين بلغ يسوع اثنتى عشرة سنة أخذه والداه و (صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ) لوقا 2-42، كما اعتادوا كل سنة (لوقا 2-41)، و تركاه هناك لفترة (نسياه!)، ثم لما رجعا (بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ جَالِساً فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ) لوقا 2-46.
و قد ظل الرجل مداوما على حضور المجمعات اليهودية بانتظام يوم السبت (لوقا 4-16)، و لاحقا كان يقوم بالتدريس في الهيكل في أورشليم (لوقا 21-37)؛ ذلك الهيكل الذي كان مجرد دخوله ممنوعا على غير اليهود (أعمال الرسل 21-28)؛ و في مواضع مختلفة نجده محافظا على تتبع جميع الأعياد و الطقوس اليهودية، كما سنجده مؤمنا بجميع القصص و التعاليم التي وردت في العهد القديم.
و حين كبر يسوع، و على مر سنوات دعوته حتى النهاية ، ظل وفيا لكتاب اليهود و لشريعة اليهود، فلم ينبس بكلمة صريحة تدين أيا من ممارساتها بعمق؛ بل على العكس، أعلن في مناسبات مختلفة تصديقه بها و تأييده لها و تمسكه بها.
ففي موعظة الجبل خاطب الناس قائلا (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ) متى 5-17؛ و أكد أنها لن تزول أبدا (فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ) متى 5-18.
بل و قرن يسوع الخلاص الأخروي بالإلتزام بتلك الشريعة، و قام بتهديد من خالفها (فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هَذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هَكَذَا يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ) متى 5-19.
و حتى حين سيقوم بمخالفة الشريعة في عدة مواضع، كما سنرى، فإنه كان غالبا سيستخدم حيلا "تأويلية" تسمح له بـالقيام بتعديلات في تلك النصوص، أو "نسخها" أي إحلال محلها أحكاما جديدة، بدون الطعن في مصداقيتها و أصلها الإلهي و صوابها الأخلاقي.
- دعوته مُوجهة إلى اليهود فقط؟-
تخبرنا الأناجيل أن يسوع أمر تلاميذه الإثنى عشر بالإقتصار في الدعوة على اليهود فقط و حصريا من دون الناس، و منعهم تماما من دخول مدن الشعوب الأخرى، ناهيك عن مخاطبة تلك الشعوب (هَؤُلاَءِ الاِثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: “إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ) متى 10-5،6.
و ذلك على الرغم من أنه في موضع آخر يخبرنا إنجيل مرقس (و هو أقدم الأناجيل المكتوبة) أن يسوع حين قام من الموت- بعد صلبه- فقد ظهر للتلاميذ مرة أخرى و أعلن لهم الأوامر الجديدة قائلا ("اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا") مرقس 16-15؛ مما يؤكد أن هناك تغيرا في التوجه حدث لاحقا بعد موت يسوع!
(مع ملاحظة أن الجزء الأخير من إنجيل مرقس، و الذي يتضمن النص السابق، هو جزء مشكوك فيه من قبل الكثير من الباحثين، خاصة و أنه لا وجود له في أكثر المخطوطات القديمة، مما يوحي بأنه إضافة متأخرة على الإنجيل).
في كل الأحوال فالواضح أن دعوة يسوع طوال حياته كانت مركزة على اليهود بشكل شبه حصري ؛ و حتى أتباعه حين انتشروا من بعده يبشرون في المدن قاموا بذلك (وَهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَ أَحَداً بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ الْيَهُودَ فَقَطْ) أعمال الرسل 11-19 ؛ ثم حين رفض اليهود الدعوة بدأ التلاميذ لاحقا في التبشير لغيرهم، كما يخبرنا يوحنا في إنجيله أن يسوع (إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ) يوحنا 1-11.
و على ما يبدو أن يهوديا آخر روماني الجنسية، بولس، هو من سيكسر هذا الحاجز لاحقا، و ينشط في التبشير بدعوة يسوع إلى الأمم (غير اليهود).
- الخلاص من اليهود-
و لكن حتى بولس في رسائله، نجده يحرص على تأكيد أن التبشير و الخلاص محفوظان لليهودي أولا قبل الآخرين (..قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ) رومية 1-16.
و هذا التفضيل لليهود يتناغم تماما مع حوار كان أجراه يسوع مع امرأة من منطقة السامرة (و هم خصوم اليهود) ، حيث نراه يخبرها صراحة بأن (..الْخلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ) يوحنا 4-22.
و حتى مجرد تواجد يسوع في تلك المنطقة غير اليهودية ، بدا لكاتب الإنجيل أنه يحتاج إلى توضيح، حيث أن السامرة وقعت في طريق يسوع مما أجبره على اجتيازها- (تَرَكَ الْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضاً إِلَى الْجَلِيلِ. وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ) يوحنا 4-3،4 ؛ و هذا التبرير يتوافق مع أمر يسوع لتلامذته أن لايدخلوا إلى مدن السامريين- فالأصل هو التواجد مع اليهود فقط.
و نفس المعنى- و أكثر و أخطر- نجده في حواره الآخر مع المرأة الكنعانية.

المسيح : رسول من الجحيم (3)

المسيح : رسول من الجحيم (3)

المسيح: رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع

الجزء الثالث 
- المسيح المنتظر و نهاية العالم-
قديما، في بدايات القرن السادس قبل الميلاد، غزا نبوخذ نصر البابلي جنوب فلسطين، مقتحما القدس و مدمرا المعبد اليهودي و منهيا استقلال مملكة يهوذا، و ناقلا كثير من اليهود إلى بابل في العراق ؛ بعد ذلك بخمسين عاما، في أواخر نفس القرن، جاء الإمبراطور الفارسي قورش الكبير ، ليعيد اليهود مرة أخرى إلى فلسطين و يسمح لهم ببناء هيكلهم من جديد.
منذ ذلك الحين و الإسرائيليون يعيشون تحت حكم محلي تابع للفرس، ثم لليونانيين و لاحقا للرومان ؛ و منذ ذلك الحين و هم يحلمون بإعادة مملكتهم المفقودة مرة آخرى؛ ذلك الحلم الذي كان يخفت أحيانا، ثم ليعود ليطفو في كل مناسبة، خاصة في أوقات الضيق و المعاناة.
و مع استقرار اليهود تحت النفوذ الفارسي لعدة قرون، حدث امتزاج بين العقيدتين، نرى ملامحه في عناصر عديدة من العقيدة و التراث الإسرائيلي؛ من ذلك أن فكرة الملك اليهودي العائد (المسيح)، يبدو أنها تأثرت كثيرا بالفكرة الزرادشتية المتعلقة بعودة سوشيانت الذي سيقيم حرب نهاية الزمان بين الخير و الشر، مما يمهد لدمار العالم و قيامة الموتى و الدينونة.
و لأنه لا فصل بالمرة بين الدين و السياسة في تلك الثقافة ، فمن ناحية نجد في أسفار التوراة، خاصة إشعياء و إرميا و غيرهما، نصوصا متناثرة تحمل ملامح من نبوءات مستقبلية مبهمة تتحدث عن تحقيق حلم الإستقلال اليهودي و عودة الملك المنتظر من سلالة داود ؛ و من ناحية أخرى حين نقرأ سفر دانيال، و هو آخر سفر كُتب في العهد القديم (164 ق.م)، نرى سردا رمزيا لتاريخ حروب المنطقة و تقلب الممالك الكبرى منذ بابل، مرورا بفارس و اليونان ثم موت الأسكندر و انقسام مملكته ، ثم يحكي عن الصراعات بين السلوقيين و البطالمة ؛ و ينتهي السفر بقدوم ملاك الرب لإنقاذ الموقف و نصرة شعب الرب (اليهود) بمساندة إلهية تحسم الأمور ، تليها قيامة الموتى من قبورهم و محاسبة الناس على أعمالهم– بشكل لا شك أنه سيمهد لتبلور أفكار "الآخرة و القيامة" بشكلها المتكامل في المسيحية، و لاحقا الإسلام.
أما بعد الأسكندر، فقد تأرجت معيشة اليهود تحت حكامهم البطالمة و السلوقيين و الرومان بين أحوال جيدة حينا، و بين ما يبدو و كأنه مظاهر قمع و تضييق على اليهود و منعهم من ممارسة شريعتهم من ناحية أخرى، كتحريم الخنزير و الإحتفال بالسبت و الختان (الذي كان يعتبره اليونانيون تشويها بشعا للجسد)؛ و سيساهم بعض كهنة اليهود أنفسهم، تحت التأثير اليوناني، في نبذ عناصر من الأحكام الموسوية – حتى أنه في القرن الأول كان كثير من اليهود قد تخلوا عن شريعتهم بالفعل، إما طوعا أو كرها.
و كرد فعل قومي\ديني، تفجرت عدة ثورات و حركات تحررية يهودية في المنطقة، كان أبرزها و أكثرها نجاحا في زمن السلوقيين هي ثورة المكابيين، حيث نجحت فعلا في تأسيس مملكة يهودية مستقلة ، حكمت تحت السلالة الحشمونية لمائة سنة تقريبا، قبل نحو قرن من ولادة المسيح، حتى غزاها الرومان و فككوها ، ثم قاموا بتعيين هيرود ملكا على القدس- و بعده سيأتي بيلاطس الذي سيرتبط بمحاكمة المسيح و إعدامه.
و ستستمر المزيد من محاولات الثورات اليهودية على الرومان، حتى بعد قرن تقريبا وفاة يسوع.
- ما هو "المسيح"؟-
هو لقب إسرائيلي معناه الأصلي "الممسوح بالزيت"؛ و ذلك المسح هو طقس مقترن في العهد القديم بالكهانة و الملكية السياسية، و علامة على البركة و الحماية الإلهية؛ حيث كان يتم مسح الكاهن الأكبر و الأنبياء بالزيت، و لاحقا الملوك، فهو علامة على التتويج الملكي؛ و بعد ذلك تحول المعنى ليشمل كل ملك أو قائد عظيم "يخلص" اليهود من الظلم و الإضطهاد و يعدل معهم ؛ حتى لو لم يكن يهوديا، فأُطلق اللقب على قورش مثلا، و كذلك الأسكندر.
و قبل قرون من ولادة يسوع، كان اليهود- بمختلف طوائفهم- يطلقون لقب "المسيح" على مخلّصهم المنتظر؛ ملك بشري و ليس إلها.
و لم يكن يسوع هو أول المسحاء أو آخرهم، بل كثير من الثوار و قادة الحركات التمردية القومية اليهودية ، ضد الرومان خاصة، أطلقوا على أنفسهم، أو أطلق عليهم أتباعهم، لقب مسحاء؛ مثل سيمون من بيرية، و أثرونغس، و باركوخبا، و غيرهم.
- خلاص من نوع آخر؟-
- ((هؤلاء (الأنبياء) يزعمون بين الحين و الآخر أنهم أكثر من مجرد أنبياء، و يقولون أشياء من قبيل "أنا الله"، أو "أنا ابن الله"، أو حتى "أنا الروح القدس"، و يقولون "لقد جئت لمنح الحياة للعالم الذي هو على وشك الزوال، و الأشرار سوف يهلكون في النار بسبب خطاياهم؛ أنا سوف أنقذكم؛ أنتم سوف تروني لأنني سوف أعود مرة أخرى مسلحا بقوى سماوية، و بالتالي فبورك من عبدني الآن؛ أما من يرفض - مدن و أمم كاملة- فسوف يتم إلقاؤهم في الحفرة النارية؛ و من يسمعني و يؤمن بي سيتم إنقاذه".. هذا النوع من الكلام كان يُسمع كثيرا في جميع أنحاء جنوب فلسطين يتفوه به أكثر الأنبياء تفاهة)) – الفيلسوف اليوناني الوثني سيلسوس، واحد من أهم منتقدي المسيحية في العصور الأولى (القرن 2ب.م).
تحدثنا عن انقسام اليهود دينيا إلى ما يشبه معسكر "المحافظين" و معسكر "الإصلاحيين"؛ و لم يكن غريبا أن ينعكس هذا الإستقطاب في عالم السياسة أيضا ؛ و هكذا فإلى جوار الخلاص الثوري العسكري المتطرف ، بدأت فكرة أخرى في الإنتشار في المجتمعات الإسرائيلية، و هي الإستغناء عن الخلاص السياسي الدنيوي و استبدال به خلاصا إلهيا روحانيا مرتبط بـ"عالم جديد" قادم.
من ناحية ظهر للبعض أن الإنتصار على اليونانيين و الرومان مستحيل التحقيق بالمقاييس العسكرية على أرض الواقع ؛ و من ناحية مقابلة بدا أن الطموح و الإستعلاء القومي اليهودي التوراتي ، الذي نجد ملامحه في بعض نصوص العهد القديم، كالمزمور الثاني مثلا، لم يعد يكتفي بتحقيق السيادة على فلسطين وحدها، بل شعب الرب لابد له من ملك متسع يليق بعظمة رب العالم و صاحب الأرض كلها.
الطموح الإسرائيلي إذن لم يعد فلسطين فقط ، و لا حتى بين النيل و الفرات فقط ، بل حكم العالم بأسره - و لكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
وجد اليهود أن الهوة بين قدراتهم و طموحهم في اتساع مستمر – فكان الحل الأوحد هو الهروب إلى الخيال الديني: قدره الله الخارقة هي السبيل الوحيد لتحقيق الحلم الجديد، بسيادة العالم.
و هذه التصورات هي تحديدا ما نلمسه في تناول ختام سفر دانيال للمسألة ، و تحويله للحرب من معركة دنيوية مباشرة، إلى حرب كونية خارج نطاق البشر، حيث تهبط الملائكة و تتدخل يد الله بشكل مباشر لتنصر شعب الله ؛ و بالفعل فقد بدا للكثيرين أن ذلك وحده هو الذي من شأنه وزن الكفة المختلة و التغلب على مقاييس القوة المادية لليونانيين و الرومان – فالدرس المستفاد هنا أن المواجهة السياسية و العسكرية ليست هي الحل.
هذا المعتقد أفرز العديد من اليهود المؤمنين بنهاية العالم القريبة المرتبطة بنصرهم على أعدائهم ؛ فيحكي لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس مثلا عن عدد من الأنبياء اليهود (المسحاء) المتحمسين آنذاك يقومون بجمع الناس و مطالبتهم باتباعهم إلى القدس، فيقفون على جبل الزيتون، متوقعين انهيار حوائط المدينة المقدسة في أية لحظة.
- ولادة المسيحية-
هكذا وسط بيئة يهودية محلية ، و بين احتقانات سياسية و انقسامات مذهبية و صراعات الكهنة الفاسدين، ستنشأ الديانة المسيحية في القرن الأول و الثاني ب.م، زمن حياة يسوع و جولات بولس و كتابة الأناجيل، و ستنتشر و تتبلور أكثر في القرون اللاحقة.
أما الشكل الذي ظهرت عليه، فيبدو خليطا بين عنصرين غير متجانسين ؛ الأول هو اليهودية التقليدية بحالها في القرن الأول، باقتصارها على الرب اليهودي و الشعب اليهودي، بنزعة محلية قومية عنصرية، و بانتظارها للملك المسيح المنتظر، و خضوعها للشريعة الموسوية و تقاليدها كالختان و تحريم الخنزير (فلا يجب نسيان أن المسيحيين الأوائل لم يكونوا إلا يهودا) ؛ و العنصر الثاني هو عنصر وافد جديد ، يتميز بملامح من إله عالمي محب لكل البشر، و بتحرره من الشريعة اليهودية، و بتمركزه حول رب متجسد تم صلبه فداءا للبشر، و يُنتظر عودته السماوية لإقامة الموتى و دينونة العالم.
و ستظل الهوة تتسع بين الفكر اليهودي التقليدي من ناحية و بين ذلك الفكر الجديد من ناحية أخرى ، حتى يحدث الإنفصال النهائي – و تتحول المسيحية إلى دين مستقل جديد.
و حين يتبناها الرومان بعد أربعة قرون فسيكون ذلك لحسابهم الشخصي؛ فمن ناحية سيكون يسوع هنا بمثابة استكمال لمشروع البطالمة السابق، لتوحيد الطوائف المتنوعة تحت إله واحد و دين واحد رسمي؛ و على الجانب الآخر ستكون المسيحية البولسية استكمالا لمشروع اليونانيين لتنحية الشريعة اليهودية – المكروهة- عن التطبيق ؛ فالمسيحية ستساعد الرومان على تحقيق ما فشل السابقون في تحقيقه.
و لكن متى و كيف حدث ذلك التحول من اليهودية إلى المسيحية؟ هل تم ذلك في حياة يسوع نفسه، أم بعد موته في الزمن الفعلي لكتابة الأناجيل؟ هذا مبحث لن يهمنا هنا بالدرجة الأولى؛ خاصة أن هذا الأمر مرتبط بمبحث آخر هو الجدال حول تاريخية المسيحية و نصوصها، و التي تصل من البعض إلى التشكيك في الوجود التاريخي لمؤسسها يسوع؛ و هو ما لن نتناوله هنا بطبيعة الحال.
ما سيهمنا هنا هو أمرين : أولا، فهم عام للمصادر المختلفة التي جاءت منها أفكار المسيحية و صاغت ملامحها و أنتجت نصوصها و قيمها الأخلاقية ؛ تلك القيم التي كثيرا ما تبدو- كما سنرى- غير منسجمة بل متناقضة ، تتذبذب في ثنائيات متضاربة بين المحلية و العالمية، التشدد و المرونة، المحبة و الكراهية ، طاعة الشريعة و التمرد عليها، التعصب لليهود و التعصب ضدهم..إلخ؛ و لن نقف كثيرا أمام محاولة فهم تلك التضاربات، بل سنتعامل معها كما هي، طالما اكتفينا بالإشارة إلى سببها الرئيسي (تنوع المصادر).
و ما يهمنا ثانيا هو تقييم تلك الأخلاقيات، الظاهرة من أقوال و أفعال يسوع المسيح كما وصلت لنا من خلال النصوص ، بغض النظر عن حقيقتها التاريخية؛ ذلك لأن ما يعنينا هنا ليس التاريخ ، بقدر ما هو كيفية تشكيل تلك النصوص للمسيحية الحالية، و كيفية تأثيرها في الملايين من البشر على مر التاريخ و إلى اليوم و في المستقبل المنظور أيضا.
فبين رب اليهود المنتقم ضيق الأفق الغضوب دوما و المتلهف للعقاب ، مع تراث اليهود المشحون بالعنصرية و التعصب و العنف والعداء للأجانب و احتقار المرأة، و المليء بالخرافات و مظاهر التشدد الغبية، و بين عالمية الإله و الرسالة، و العداء لغير المؤمنين، و كراهية الحياة ذاتها، مع هيستريا اقتراب النهاية المدمرة للعالم، سنكتشف أن الجديد الذي جاءت به المسيحية، لم يكن بأفضل حالا من القديم السيء الذي انطلقت منه.
فمعا نتعرف على سيرة الإله المتجسّد يسوع المسيح، من جانب آخر.