الاثنين، 5 يناير 2015

المسيح : رسول من الجحيم (3)

المسيح : رسول من الجحيم (3)

المسيح: رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع

الجزء الثالث 
- المسيح المنتظر و نهاية العالم-
قديما، في بدايات القرن السادس قبل الميلاد، غزا نبوخذ نصر البابلي جنوب فلسطين، مقتحما القدس و مدمرا المعبد اليهودي و منهيا استقلال مملكة يهوذا، و ناقلا كثير من اليهود إلى بابل في العراق ؛ بعد ذلك بخمسين عاما، في أواخر نفس القرن، جاء الإمبراطور الفارسي قورش الكبير ، ليعيد اليهود مرة أخرى إلى فلسطين و يسمح لهم ببناء هيكلهم من جديد.
منذ ذلك الحين و الإسرائيليون يعيشون تحت حكم محلي تابع للفرس، ثم لليونانيين و لاحقا للرومان ؛ و منذ ذلك الحين و هم يحلمون بإعادة مملكتهم المفقودة مرة آخرى؛ ذلك الحلم الذي كان يخفت أحيانا، ثم ليعود ليطفو في كل مناسبة، خاصة في أوقات الضيق و المعاناة.
و مع استقرار اليهود تحت النفوذ الفارسي لعدة قرون، حدث امتزاج بين العقيدتين، نرى ملامحه في عناصر عديدة من العقيدة و التراث الإسرائيلي؛ من ذلك أن فكرة الملك اليهودي العائد (المسيح)، يبدو أنها تأثرت كثيرا بالفكرة الزرادشتية المتعلقة بعودة سوشيانت الذي سيقيم حرب نهاية الزمان بين الخير و الشر، مما يمهد لدمار العالم و قيامة الموتى و الدينونة.
و لأنه لا فصل بالمرة بين الدين و السياسة في تلك الثقافة ، فمن ناحية نجد في أسفار التوراة، خاصة إشعياء و إرميا و غيرهما، نصوصا متناثرة تحمل ملامح من نبوءات مستقبلية مبهمة تتحدث عن تحقيق حلم الإستقلال اليهودي و عودة الملك المنتظر من سلالة داود ؛ و من ناحية أخرى حين نقرأ سفر دانيال، و هو آخر سفر كُتب في العهد القديم (164 ق.م)، نرى سردا رمزيا لتاريخ حروب المنطقة و تقلب الممالك الكبرى منذ بابل، مرورا بفارس و اليونان ثم موت الأسكندر و انقسام مملكته ، ثم يحكي عن الصراعات بين السلوقيين و البطالمة ؛ و ينتهي السفر بقدوم ملاك الرب لإنقاذ الموقف و نصرة شعب الرب (اليهود) بمساندة إلهية تحسم الأمور ، تليها قيامة الموتى من قبورهم و محاسبة الناس على أعمالهم– بشكل لا شك أنه سيمهد لتبلور أفكار "الآخرة و القيامة" بشكلها المتكامل في المسيحية، و لاحقا الإسلام.
أما بعد الأسكندر، فقد تأرجت معيشة اليهود تحت حكامهم البطالمة و السلوقيين و الرومان بين أحوال جيدة حينا، و بين ما يبدو و كأنه مظاهر قمع و تضييق على اليهود و منعهم من ممارسة شريعتهم من ناحية أخرى، كتحريم الخنزير و الإحتفال بالسبت و الختان (الذي كان يعتبره اليونانيون تشويها بشعا للجسد)؛ و سيساهم بعض كهنة اليهود أنفسهم، تحت التأثير اليوناني، في نبذ عناصر من الأحكام الموسوية – حتى أنه في القرن الأول كان كثير من اليهود قد تخلوا عن شريعتهم بالفعل، إما طوعا أو كرها.
و كرد فعل قومي\ديني، تفجرت عدة ثورات و حركات تحررية يهودية في المنطقة، كان أبرزها و أكثرها نجاحا في زمن السلوقيين هي ثورة المكابيين، حيث نجحت فعلا في تأسيس مملكة يهودية مستقلة ، حكمت تحت السلالة الحشمونية لمائة سنة تقريبا، قبل نحو قرن من ولادة المسيح، حتى غزاها الرومان و فككوها ، ثم قاموا بتعيين هيرود ملكا على القدس- و بعده سيأتي بيلاطس الذي سيرتبط بمحاكمة المسيح و إعدامه.
و ستستمر المزيد من محاولات الثورات اليهودية على الرومان، حتى بعد قرن تقريبا وفاة يسوع.
- ما هو "المسيح"؟-
هو لقب إسرائيلي معناه الأصلي "الممسوح بالزيت"؛ و ذلك المسح هو طقس مقترن في العهد القديم بالكهانة و الملكية السياسية، و علامة على البركة و الحماية الإلهية؛ حيث كان يتم مسح الكاهن الأكبر و الأنبياء بالزيت، و لاحقا الملوك، فهو علامة على التتويج الملكي؛ و بعد ذلك تحول المعنى ليشمل كل ملك أو قائد عظيم "يخلص" اليهود من الظلم و الإضطهاد و يعدل معهم ؛ حتى لو لم يكن يهوديا، فأُطلق اللقب على قورش مثلا، و كذلك الأسكندر.
و قبل قرون من ولادة يسوع، كان اليهود- بمختلف طوائفهم- يطلقون لقب "المسيح" على مخلّصهم المنتظر؛ ملك بشري و ليس إلها.
و لم يكن يسوع هو أول المسحاء أو آخرهم، بل كثير من الثوار و قادة الحركات التمردية القومية اليهودية ، ضد الرومان خاصة، أطلقوا على أنفسهم، أو أطلق عليهم أتباعهم، لقب مسحاء؛ مثل سيمون من بيرية، و أثرونغس، و باركوخبا، و غيرهم.
- خلاص من نوع آخر؟-
- ((هؤلاء (الأنبياء) يزعمون بين الحين و الآخر أنهم أكثر من مجرد أنبياء، و يقولون أشياء من قبيل "أنا الله"، أو "أنا ابن الله"، أو حتى "أنا الروح القدس"، و يقولون "لقد جئت لمنح الحياة للعالم الذي هو على وشك الزوال، و الأشرار سوف يهلكون في النار بسبب خطاياهم؛ أنا سوف أنقذكم؛ أنتم سوف تروني لأنني سوف أعود مرة أخرى مسلحا بقوى سماوية، و بالتالي فبورك من عبدني الآن؛ أما من يرفض - مدن و أمم كاملة- فسوف يتم إلقاؤهم في الحفرة النارية؛ و من يسمعني و يؤمن بي سيتم إنقاذه".. هذا النوع من الكلام كان يُسمع كثيرا في جميع أنحاء جنوب فلسطين يتفوه به أكثر الأنبياء تفاهة)) – الفيلسوف اليوناني الوثني سيلسوس، واحد من أهم منتقدي المسيحية في العصور الأولى (القرن 2ب.م).
تحدثنا عن انقسام اليهود دينيا إلى ما يشبه معسكر "المحافظين" و معسكر "الإصلاحيين"؛ و لم يكن غريبا أن ينعكس هذا الإستقطاب في عالم السياسة أيضا ؛ و هكذا فإلى جوار الخلاص الثوري العسكري المتطرف ، بدأت فكرة أخرى في الإنتشار في المجتمعات الإسرائيلية، و هي الإستغناء عن الخلاص السياسي الدنيوي و استبدال به خلاصا إلهيا روحانيا مرتبط بـ"عالم جديد" قادم.
من ناحية ظهر للبعض أن الإنتصار على اليونانيين و الرومان مستحيل التحقيق بالمقاييس العسكرية على أرض الواقع ؛ و من ناحية مقابلة بدا أن الطموح و الإستعلاء القومي اليهودي التوراتي ، الذي نجد ملامحه في بعض نصوص العهد القديم، كالمزمور الثاني مثلا، لم يعد يكتفي بتحقيق السيادة على فلسطين وحدها، بل شعب الرب لابد له من ملك متسع يليق بعظمة رب العالم و صاحب الأرض كلها.
الطموح الإسرائيلي إذن لم يعد فلسطين فقط ، و لا حتى بين النيل و الفرات فقط ، بل حكم العالم بأسره - و لكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
وجد اليهود أن الهوة بين قدراتهم و طموحهم في اتساع مستمر – فكان الحل الأوحد هو الهروب إلى الخيال الديني: قدره الله الخارقة هي السبيل الوحيد لتحقيق الحلم الجديد، بسيادة العالم.
و هذه التصورات هي تحديدا ما نلمسه في تناول ختام سفر دانيال للمسألة ، و تحويله للحرب من معركة دنيوية مباشرة، إلى حرب كونية خارج نطاق البشر، حيث تهبط الملائكة و تتدخل يد الله بشكل مباشر لتنصر شعب الله ؛ و بالفعل فقد بدا للكثيرين أن ذلك وحده هو الذي من شأنه وزن الكفة المختلة و التغلب على مقاييس القوة المادية لليونانيين و الرومان – فالدرس المستفاد هنا أن المواجهة السياسية و العسكرية ليست هي الحل.
هذا المعتقد أفرز العديد من اليهود المؤمنين بنهاية العالم القريبة المرتبطة بنصرهم على أعدائهم ؛ فيحكي لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس مثلا عن عدد من الأنبياء اليهود (المسحاء) المتحمسين آنذاك يقومون بجمع الناس و مطالبتهم باتباعهم إلى القدس، فيقفون على جبل الزيتون، متوقعين انهيار حوائط المدينة المقدسة في أية لحظة.
- ولادة المسيحية-
هكذا وسط بيئة يهودية محلية ، و بين احتقانات سياسية و انقسامات مذهبية و صراعات الكهنة الفاسدين، ستنشأ الديانة المسيحية في القرن الأول و الثاني ب.م، زمن حياة يسوع و جولات بولس و كتابة الأناجيل، و ستنتشر و تتبلور أكثر في القرون اللاحقة.
أما الشكل الذي ظهرت عليه، فيبدو خليطا بين عنصرين غير متجانسين ؛ الأول هو اليهودية التقليدية بحالها في القرن الأول، باقتصارها على الرب اليهودي و الشعب اليهودي، بنزعة محلية قومية عنصرية، و بانتظارها للملك المسيح المنتظر، و خضوعها للشريعة الموسوية و تقاليدها كالختان و تحريم الخنزير (فلا يجب نسيان أن المسيحيين الأوائل لم يكونوا إلا يهودا) ؛ و العنصر الثاني هو عنصر وافد جديد ، يتميز بملامح من إله عالمي محب لكل البشر، و بتحرره من الشريعة اليهودية، و بتمركزه حول رب متجسد تم صلبه فداءا للبشر، و يُنتظر عودته السماوية لإقامة الموتى و دينونة العالم.
و ستظل الهوة تتسع بين الفكر اليهودي التقليدي من ناحية و بين ذلك الفكر الجديد من ناحية أخرى ، حتى يحدث الإنفصال النهائي – و تتحول المسيحية إلى دين مستقل جديد.
و حين يتبناها الرومان بعد أربعة قرون فسيكون ذلك لحسابهم الشخصي؛ فمن ناحية سيكون يسوع هنا بمثابة استكمال لمشروع البطالمة السابق، لتوحيد الطوائف المتنوعة تحت إله واحد و دين واحد رسمي؛ و على الجانب الآخر ستكون المسيحية البولسية استكمالا لمشروع اليونانيين لتنحية الشريعة اليهودية – المكروهة- عن التطبيق ؛ فالمسيحية ستساعد الرومان على تحقيق ما فشل السابقون في تحقيقه.
و لكن متى و كيف حدث ذلك التحول من اليهودية إلى المسيحية؟ هل تم ذلك في حياة يسوع نفسه، أم بعد موته في الزمن الفعلي لكتابة الأناجيل؟ هذا مبحث لن يهمنا هنا بالدرجة الأولى؛ خاصة أن هذا الأمر مرتبط بمبحث آخر هو الجدال حول تاريخية المسيحية و نصوصها، و التي تصل من البعض إلى التشكيك في الوجود التاريخي لمؤسسها يسوع؛ و هو ما لن نتناوله هنا بطبيعة الحال.
ما سيهمنا هنا هو أمرين : أولا، فهم عام للمصادر المختلفة التي جاءت منها أفكار المسيحية و صاغت ملامحها و أنتجت نصوصها و قيمها الأخلاقية ؛ تلك القيم التي كثيرا ما تبدو- كما سنرى- غير منسجمة بل متناقضة ، تتذبذب في ثنائيات متضاربة بين المحلية و العالمية، التشدد و المرونة، المحبة و الكراهية ، طاعة الشريعة و التمرد عليها، التعصب لليهود و التعصب ضدهم..إلخ؛ و لن نقف كثيرا أمام محاولة فهم تلك التضاربات، بل سنتعامل معها كما هي، طالما اكتفينا بالإشارة إلى سببها الرئيسي (تنوع المصادر).
و ما يهمنا ثانيا هو تقييم تلك الأخلاقيات، الظاهرة من أقوال و أفعال يسوع المسيح كما وصلت لنا من خلال النصوص ، بغض النظر عن حقيقتها التاريخية؛ ذلك لأن ما يعنينا هنا ليس التاريخ ، بقدر ما هو كيفية تشكيل تلك النصوص للمسيحية الحالية، و كيفية تأثيرها في الملايين من البشر على مر التاريخ و إلى اليوم و في المستقبل المنظور أيضا.
فبين رب اليهود المنتقم ضيق الأفق الغضوب دوما و المتلهف للعقاب ، مع تراث اليهود المشحون بالعنصرية و التعصب و العنف والعداء للأجانب و احتقار المرأة، و المليء بالخرافات و مظاهر التشدد الغبية، و بين عالمية الإله و الرسالة، و العداء لغير المؤمنين، و كراهية الحياة ذاتها، مع هيستريا اقتراب النهاية المدمرة للعالم، سنكتشف أن الجديد الذي جاءت به المسيحية، لم يكن بأفضل حالا من القديم السيء الذي انطلقت منه.
فمعا نتعرف على سيرة الإله المتجسّد يسوع المسيح، من جانب آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق