الاثنين، 5 يناير 2015

الملحد يحترم

الملحد يحترم ... 



يختلف الناس ففي ما بينهم في الكثير من الأمور ومن بينها القيم والغايات وما يرون أنه ذا أهمية في حياتهم . والملحد بالنهاية إنسان يعيش في نفس المجتمع الإنساني ويتحلى بالكثير من الأمور المشتركة بينه وبين أفراد مجتمعه وسأحاول هنا توضيح بعض القيم والصفات العامة التي يتحلى بها الملحدون بشكل خاص في محاولة لفهم وتعريف الملحد بشكل أكثر وضوحا للمؤمنين .
1- الملحد يحترم الحقيقة :
الملحد هو إنسان فقد إعتقاده بالكثير من الأمور التي تعتمد على الإيمان والقبول بدون الحاجة لدليل وعدم إستمراره بالقبول بها سببه هو تقديره للحقيقة التي لم يجدها في معتقده السابق أو في المعتقدات المختلفة الأخرى . عملية هذا التحول في المعتقدات حتى إن كانت من دين لآخر سببها تقدير الإنسان للحقيقة التي لم يجدها في معتقداته السابقة فلو أنه غير مهتم بالحقيقة ولا تعني له الكثير لما قام بهذا التحول الصعب أساسا وهذا الإحترام للحقيقة هو الدافع الرأيسي الذي دفع الملحد مع غيره من المتحولين دينيا إلى تبني جملة جديدة مما يعتبرونه حقائق .. وهذه العملية ليست بالعملية السهلة فهي لها تبعات إجتماعية كبيرة كما أنها تقوم على نسف البنية التحتية لمعارف وقيم الإنسان وهخي أمر يتطلب الكثير من الشجاعة والقوة وخوض الملحد لهذه الرحلة دليل على تقديره واحترامه للحقيقة أيا كانت وحتى لو كانت لا ترضيه .
2- الملحد يحترم العلم :
أستطيع القول بأن الأغلبية الساحقة من الملحدين يحترمون العلم ويحبونه لأنهم وجدوا فيه البديل الفعال والمنهج المتواضع والقوي الذي يمكنهمن من الوصول للحقائق حول الوجود الذي يعيشون فيه .
العلم هو المنهج الوحيد الذي يعطي نتائج ونتائج مذهلة أيضا مكنت الإنسان في بضعة مئات من السنسن من الوصول للفضاء وعلاج الأمراض المستعصية وحل المشكلات الإقتصادية وجعل حياة الإنسان أفضل وأسعد . والملحد ( كما غيره من الواعين لهذا الأثر ) يقدر هذه القوة والخير ويحترمها ويدافع عنها ربما بشكل عاطفي أحيانا مما يوهم البعض بأن العلم هو دين الملحدين ولكن هيهات . الفرق شاسع بين المنهج الديني القائم على التلقين والتبعية والإيمان والأحكام والمعلومات المطلقة الغير قابلة للنقد وبين منهج يقوم على إنتاج المعارف والتشكيك بها وتصفيتها على الدوام من المعارف الفاسدة أو الغير دقيقة بشكل متواضع دائم الشك وليس لديه أي مشكلة في ترك ما هو خاطء وتبني ما هو صحيح .
3- الملحد يحترم الإنسانية :
في ظل غياب وجود كيان مطلق هو مركز التقدير والتبجيل والحب والتبعية والطاعة لدى الملحد ترك هذا المجال له لكي يلتفت إلى ما هو حقيقي ويستحق التقدير والحب والعمل من أجله وهي الإنسانية وقيمة الإنسان التي يعتبرها أغلب الملحدين قيمة عليا هي التي تستوجب العمل والإهتمام والأهداف . المحد لا يضع قيمة الإنسان في المرتبة الثانية لأي شيئ .. وإذا ما تعارضت المصلحة الإنسانية والخير مع أي مفهوم آخر تراه ينكمش وينفر من هذا الشيئ سواء كان عقيدة سياسية أو قيمة دينية أو حتى رمز إجتماعي ..
المهم هنا هو مصلحة الإنسان وأي شيئ يفرض أو يسقط الأذى على الإنسان وحقوقه وحياته بغرض إرضاء كيان أو مفهوم أو عقيدة أو مؤسسة هو أمر مرفوض ينفر منه الملحد ويرفضه بل ويقف منه موقف سلبي ويواجهه ويحاول إيقافه لتخفيف الظلم والقهر عن الناس .
4- الملحد يحترم الحرية :
مفهوم الحرية لدى الملحدين هو مفهوم حساس ومهم جدا حيث أنه يعطي الإنسانية قيمتها ويمنح التفرد والإبداع الفكر المجال والقدرة والتنوع التي تقود إلى الخير والتقدم . وبدون الحرية سواء كانت فكرية أو إنسانية أو حرية تعبير والخيار والعمل يصبح الإنسان مجرد عجلة في آلة كبيرة لا تعمل بهدف سعادته وخيره . حتى الحرية الدينية الملحد يحترمها ولا يفرض إلحاده ولا دينيته على الآخرين ولا يفكر حتى بالتطاول على حرية المعتقد لدى الآخرين لأنه هو نفسه أصبح ملحد من خلال ممارسته لحريته الفكرية لذا من الطبيعي أن لا يعتدي على هذه الحرية التي يتبناها ويستثمرها ويحترمها والتي أنتجته فكريا كإنسان ملحد . طبعا هناك مشكلة التوازن بين الحرية الفردية والمصلحة العامة وهناك أيضا الفرق الكبير بين الحرية والفوضى وهي أمور كلها يختلف الملحدون كما غيرهم عن بعضهم البعض في تبني هذا التوازن الدقيق والذي يمنح الحياة الفكرية تنوعها جمالها واستقرارهاه ولكن كلها تكون مدفوعة لدى الليبراليين ومنهم أغلب الملحدين بمفهوم الحرية وقيمتها لديهم .
5- الملحد يحترم الفن والثقافة والجمال:
على الرغم من أننا لا نستطيع التعميم إلا أننا نستطيع القول بأن أغلب الملحدين يحترمون ويقدرون الفن والثقافة والجمال فهي بالنهاية ما يمنحهم القيمة لحياتهم في ظل غياب التبعية المركزية التي يقدمها مفهوم الإله الذي يحتاج التبعية والطاعة والتي يجد فيها المؤمنون قيمتهم وغايتهم في الحياة . الملحد ليس لديه هذا الكيان النزق المتطلب الناقص الذي يستوجب أن يكرس الملحد نفسه وحياته وأهدافه بغرض إرضائه لذا ترى الملحدين يتنوعون ويتلونون في حبهم وسعيهم للجمال والإبداع ولذة الجمال والفن والأدب والثقافة على خلاف بعض الأديان والمعتقدات التي تجد في الفن والثقافة منافس للنصوص والعقائد الدينية الضحلة الجامدة البدائية التي لا يمكنها منافسة تطور وتقدم وتنوع الفنون والجمال ولهذا يقومون بتحريم ومنع الفن والموسيقى والإبداع ويرون فيه إسائة لمعتقداتهم . لملحد ليس هكذا .. الملحد يحترم ويقدر ويحب الفن والجمال والثقافة وينتجها وينشرها ويدافع عنها .
6- الملحد يحترم الحياة :
وهذه النقطة مهمة جدا . فالملحد لا يعتقد بوجود حياة ثانية أو بقاء لذاته بعد الموت ولهذا فإن قيمة الحياة بالنسبة له غاية في الأهمية . فالشيئ المحدود والنادر والذي لا يعوض أو يتجدد أكثر قيمة من أي شيئ يوجد منه إثنين أو أكثر ..
كثيرا ما يسيئ المؤمنون بالحياة الأخرى فهم الملحد وعمليا هم يسقطون قيمة الحياة لديهم على الملحد . الذي يؤمن بأن هناك حياة أخرى أو جزء ثاني أو حلقة ثانية بعد المون لوجوده لن يكون لديه نفس القيمة للحياة التي يعيشها الآن كما الملحد فكيف إذا ما كان يعتقد أن الحياة الأخرى أبدية مليئة بالنعيم المطلق وخالية من الألم والعذاب كليا ؟!
الحياة التي يعيشها اليوم ستكون عديمة القيمة ولن يكون لديه أي دافع للعمل والإنتاج والتقدم وتحسين هذه الحياة بأي شكل .. وعمليا هذا هو أحد أهم أسباب تخلف وتأخر المجتمعات المتدينة التي لولى أن النصوص الدينية تأمرهم بالعمل لكانت هذه المجتمعات إنقرضت منذ زمن بعيد . تخيلوا هذا . لولى أن الدين يفرض على متبعيه أن يعملوا ويمنعهم من الإنتحار للوصول للحياة الأبدية المطلقة بخيرها والمعدومة من شرورها لما بقي هناك دين . بل أستطيع إفتراض أن الأديان والطوائف التي لم يستطع كهانها وكتبها إدراك هذا إنقرضت واختفت مع المؤمنين بها الذين تكاسلوا عن العمل لحياة أفضل ومستقبل أفضل .
7- الملحد يحترم الله :
هذه فكرة قد تكون غريبة نوعا ما ولكن بالفعل الملحد يحترم الله أكثر من المؤمنين به ويفترض أنه من الواجب أن يكون هذا الإله المدعى والمفترض من المؤمنين به أفضل بكثير مما يقدمه أتباعه والمؤمنون بوجوده .
كم من مرة تجد مؤمنا شغوفا يقول بأن إلهه يأمر أو يهتم بأمور غاية بالسخافة والمحلية والصغر من دخول الحمام بالرجل الصحيحة أو بقطع جزء من الأعضاء التناسلية للرضع أو أن يعظو ويبشروا بأن إلهم المطلق بالحكمة والقوة والذكاء والوعي يقوم بالكذب أو الغضب أو إختراع حلول غبية لحل مشكلة هو سببها ؟!
الملحد على الرغم من أنه لا يؤمن بوجود أي إله إلا أن له وعيا وإدراكا لعظمة الوجود وجماله وأي إفتراض يدعي أن هناك من هو مسؤول عن شيئ عظيم وجميل ومعقد كهذا يجب أن يرقى إلى مستواه فتجد بعض ا لملحدين غيورين على صورة الله أكثر من المؤمنين به أنفسهم فتقرأ لهم شيئ مثل : هل خالق هذا الكون من الضغر لدرجة أن يهتم بكائن ضئيل يعيش على ذرة غبار تسمى الأرض هائمة في مجرة معقدة وعملاقة كمجرتنا التي هي واحدة من مليارات المجرات الأخرى ويهتم في سفاسف مثل كيف يتبرز أو بأي يد يأكل أو ماذا يجب أن يقول قبل النوم ؟!
هذا النوع من الأسئلة وإن إختلفت صياغتها شائع في حوارات الملحدين والمؤمنين وهو سؤال إستنكاري هدفه لفت الإنتباه وتسليط الضوء على المفارقة المضحكة بين قيمة وحجم واحترام المؤمن الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه بدائي ومحلي وبشري وضئيل ومثير للشفقة لإلهه ومعبوده المطلق بمقابل الإحترام الذي يطالب به الملحد لكيان من هذا النوع وهذا المستوى مسؤول عن كل هذا الجمال والعظمة الموجودة في الكون والحياة والإنسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق