المسيح : رسول من الجحيم (2)
المسيح : رسول من الجحيم
الوجه الأخر لليسوع
الجزء الثاني ...
الوجه الأخر لليسوع
الجزء الثاني ...
- السياق-
قبل البدء نشير إلى دفاع متكرر نسمعه كثيرا من المؤمنين، حين يتم الإشارة إلى "الأمور السيئة" في دينهم ، حيث يؤكدون بكل حماس على أهمية فهم النص أو المقولة أو الموقف "في سياقه العام"، و ضرورة عدم اقتطاعه من ذلك السياق - و في هذه سنتفق معهم تماما.
قبل البدء نشير إلى دفاع متكرر نسمعه كثيرا من المؤمنين، حين يتم الإشارة إلى "الأمور السيئة" في دينهم ، حيث يؤكدون بكل حماس على أهمية فهم النص أو المقولة أو الموقف "في سياقه العام"، و ضرورة عدم اقتطاعه من ذلك السياق - و في هذه سنتفق معهم تماما.
لكن ما لن ننساق له هو الإقرار أن السياق هنا هو السياق الديني المعتاد الذي يلمحون له: و هو التسليم مبدئيا أننا نتحدث عن نصوص و شخوص مقدسة لا يمكن أن تخطئ أبدا، و بالتالي فواجبنا- المقدس أيضا- هو التلاعب الدائم المتعسف بالمعاني و المبادئ و القيم ، بل و تحوير قواعد المنطق ذاتها، بهدف التماشي مع تلك الفرضية، التي سلّمنا بها مسبقا!
هذا التفسير الديني الخاص لن نعبأ به، بل سنتعامل مع النصوص كما نراها بأعيننا غير المسيحية، مفترضين أن الفكر (أو الدين) هو أمر إنساني عام مطروح لجميع البشر و بالتالي من حقهم فهمه و مناقشته ، و لا يخص فئة كهنوتية معينة تحتكر الحديث بإسمه و كأنه يوحىَ إليهم من دون الناس ، و مفترضين كذلك قاعدة بسيطة و هي أن الخير لا يحتاج إلى توضيح أو تفسير من الكاهن، و أن الرسالة الأخلاقية المحبة السمحة ينبغي أن تبدو كذلك لكل من ينظر إليها، و ليس فقط للمؤمنين بها ؛ أي أننا سنسعى هنا إلى تقييم يسوع أخلاقيا بالمقياس الإنساني العام، و ليس بالمقياس المسيحي الذي وضعه هو و أتباعه.
أما السياق الذي سنعني به، و الذي يهمنا هنا، فهو السياق التاريخي، بما فيه البيئة (فلسطين القرن الأول بعد الميلاد)، و الخلفية الثقافية (يهودية هيللينية)، التي عاش فيها المسيح و تلاميذه ؛ و التي تأثروا بها و أنتجت لنا عقائدهم و أفكارهم.
- السياق اليهودي-
سياسيا لدينا عالم يعيش مرحلة من "العولمة" على المستوى الديني و الفكري، كما على المستوى السياسي و الإقتصادي؛ حيث نجحت إمبراطورية الفاتح الكبير، الأسكندر المقدوني (القرن الرابع ق.م) في فتح المجال أمام امتزاج الحضارات المختلفة، تحت شعار "الهيللينية" اليونانية.
سياسيا لدينا عالم يعيش مرحلة من "العولمة" على المستوى الديني و الفكري، كما على المستوى السياسي و الإقتصادي؛ حيث نجحت إمبراطورية الفاتح الكبير، الأسكندر المقدوني (القرن الرابع ق.م) في فتح المجال أمام امتزاج الحضارات المختلفة، تحت شعار "الهيللينية" اليونانية.
بعد موت الأسكندر انقسمت إمبراطوريته إلى أربع ممالك، ووقعت منطقة يهوذا جغرافيا (جنوب فلسطين، و هي موطن اليهود آنذاك) بين مملكتين متنافستين منهما، هما المملكة السلوقية (التي كانت تحكم سوريا و العراق) و المملكة البطلمية (التي كانت تحكم مصر)؛ و تأرجح مصير بهوذا السياسي بين الوقوع تحت حكم هذه، و تحت حكم تلك، و الإستقلال، حتى بروز الرومان على الساحة و غزوهم للمنطقة بالكامل قبل الميلاد بنصف قرن.
لكن المهم هنا أن مشروع العولمة الهيللينية لم يتوقف بموت الأسكندر بل سيستمر من بعده، و سيكون له تأثير كبير على الفكر اليهودي، و سيؤدي في النهاية إلى ولادة المسيحية – التي هي في الأصل خليط بين التراث اليهودي و التراث الوثني، خاصة اليوناني الروماني.
منذ القرن الرابع قبل الميلاد أصبحت اللغة اليونانية، و كذلك الأرامية (التي سيتكلم بها يسوع) هي السائدة شفهيا في أنحاء كثيرة من العالم القديم، و كذلك بين اليهود، في مقابل تراجع استعمال اللغة العبرية ؛ و في القرن الثالث ق.م، و تحت حكم البطالمة، تم ترجمة الكتاب المقدس اليهودي (التاناخ\العهد القديم) من اللغة العبرية إلى اليونانية؛ و لاحقا ستظهر طوائف يهودية عديدة، تتدرج ما بين التمسك بالفكر التقليدية اليهودي، و بين تقبل الجديد من الفكر اليوناني المعاصر؛ كاليهود "الصدوقيون" على سبيل المثال، الذين يؤمنون بقدسية التوراة وحدها بأسفارها الخمسة، و ينكرون الأسفار الأخرى، و لا يؤمنون بالملائكة أو الأرواح، و ينكرون كذلك قيامة الموتى و الحياة الأخروية و الحساب ؛ و في مقابلهم نجد طائفة "الفريسيين"، الذين يقرون بالأسفار كلها، و يؤمنون بحياة ما بعد الموت، بما تتضمنه من الثواب و العقاب على أعمالنا في الدنيا ؛ و ذلك بالإضافة إلى طوائف أخرى أقل شعبية كالأسينيين و النصارى و غيرهما – و التي نجد ذكر كثير منها في الكتاب المقدس المسيحي (العهد الجديد).
في فلسطين سنجد أيضا عدة "مدارس تفسيرية" للتوراة، بشكل شبيه بالمذاهب الفقهية الإسلامية ؛ فمن أشهرها "بيت هيلليل" و "بيت شاماي"، حيث الأول عرف عنه الرفق و المرونة، و نفوذه الأكبر في يهوذا و القدس ، بينما الثاني اشتهر بالتشدد و التضييق و سادت آراءه خاصة في منطقة الجليل، حيث ولد يسوع ؛ و كان لكل مدرسة أتباع و مريدين، يختلفون و يتجادلون في مسائل الشريعة و الفلسفة اليهودية و يختلفون حول المئات من القضايا، أشهرها أحكام الطلاق و السبت المقدس و غسل اليدين و لمس جسد الميت، و أسلوب التعامل مع الأغيار، و من هو "الجار" الذي توجب محبته حسب وصية الكتاب..إلخ- ذلك و من يقرأ الأناجيل يرى بوضوح كيفية تأثير تلك القضايا على فكر يسوع و تشكيلها لانحيازاته، كما يظهر في مشاهد و مواقف عديدة سنمر بها.
- السياق الوثني-
أما خارج الإطار اليهودي في فلسطين، فكان الفضل للعولمة الهيللينية أيضا في ازدهار و اختلاط الطوائف الدينية المتنوعة في المنطقة، مختلطة بفلسفات و نظم أخلاقية متعددة، و متحركة مع حركة التجار و المهاجرين بين مصر و الشام و العراق و فارس و الهند و اليونان- و بعض تلك الطوائف يحمل عدة ملامح دينية و فلسفية لا يمكن تجاهل أثرها اللاحق على المسيحية.
أما خارج الإطار اليهودي في فلسطين، فكان الفضل للعولمة الهيللينية أيضا في ازدهار و اختلاط الطوائف الدينية المتنوعة في المنطقة، مختلطة بفلسفات و نظم أخلاقية متعددة، و متحركة مع حركة التجار و المهاجرين بين مصر و الشام و العراق و فارس و الهند و اليونان- و بعض تلك الطوائف يحمل عدة ملامح دينية و فلسفية لا يمكن تجاهل أثرها اللاحق على المسيحية.
هذه الديانات ستتضمن –مثلا- المزج القديم بين البشر و الآلهة، و ستحوي طقوس عبادة الملوك بصفتهم "أبناء الآلهة"؛ و هو تقليد عريق أيضا مارسه الأسكندر و غيره حيث تلقب في مصر بـ"ابن آمون" ، و سيقوم بإحيائه الإمبراطور الروماني أغسطس حيث سمّى نفسه "ابن الله" (ديفي فيليوس)، مدشنا عادة تأليه الملوك و عبادتهم التي استمرت بعده مع أباطرة لاحقين – و قد ولد يسوع المسيح في عهد أغسطس ذاك.
و أيضا سادت عبادة واحدة من أقدم الآلهة و هي الشمس، و التي كانت أهم الآلهة لدى الرومان أيضا – و لاحقا سيقرر المسيحيون بأن يوم ولادة يسوع هو 25 ديسمبر، و هو – بالمصادفة؟- يوم الإنقلاب الشتوي للشمس المقدسة (ولادتها الرمزية)، و كذلك سيتم جعل يوم الأحد هو اليوم المقدس للمسيحيين بدلا من السبت اليهودي، و يوم الأحد هو يوم الشمس\دايس سوليس\ سن داي.
و ضمن الآلهة الشمسية كان الإله أبوللو الذي كان يتم تصويره كـ"الراعي الصالح"؛ و من أهمهم أيضا ميثرا، الإله الفارسي ذو الأصول الهندية، و الذي شاعت عبادته بشكل خاص بين الجنود الرومان آنذاك؛ و قد ولد ميثرا دون جنس بين والديه ، حيث خرج من صخرة.
و أيضا في صف طويل من الآلهة و الأنبياء و الأبطال المصريين و اليونانيين و الهنود و الفرس الذين ولدوا من نساء عذراوات يكمن زرادشت الفارسي ، حيث ولدته أمه دون جنس من خلال عمود من النور؛ و قد كان يُنتظر ولادة عدة زرادشتات تباعا، يأتي آخرهم كمملك مخلّص (سوشيانت) في نهاية الزمان ليخوض معركته الأخيرة بين الخير و الشر، و التي ستنتهي بانتصار الحق، يليه قيامة الموتى و دينونة العالم.
و سادت أيضا في العالم القديم طوائف تابعة لأوزوريس و إيزيس و حورس، حيث كان يتم عبادتهم في ثلاثي مقدس حسب التقليد المصري العريق (الأب و الأم و الإبن) ؛ و كان يتم الإحتفال بوفاة أوزوريس و انبعاثه إلى الحياة مرة أخرى، ضمن سلسلة أخرى طويلة من الآلهة الميتة\الحية في مصر و سوريا و اليونان و روما ، كبعل و أتيس و تموز و ديونيسيس، و التي كانت تعكس نظرة الإنسان القديم إلى تقلبات الطبيعة عموما؛ فدورات الليل و النهار و الفيضان و الجفاف بدت للإنسان القديم شبيهة بدورات الموت و الحياةـ فتم تجسيدها رمزيا في آلهة الشمس و آلهة الخصوبة و الزراعة- و كان لكثير من تلك الآلهة أتباع مخلصون يحتفلون بها و قد يحيون ذكراها شعائريا عن طريق كهنة و معابد و غناء مقدس و وجبات\مناولة مقدسة.
و قد سعى الإمبراطور بطليموس الأول (القرن الثالث ق.م) في توحيد الطوائف تحت حكمه عن طريق اختراع إله هجين جديد هو "سيرابيس"، و الذي حل محل أوزوريس في المملكة، و ظل يُعبد كإله مع إيزيس و حورس، حتى حل محله الثلاثي المسيحي الروماني لاحقا.
و أيضا، انتشرت عبادة العديد من الإلهات المؤنثة، منهن أمهات مقدسات ، كسيبيل و إيزيس، و منهن إلهات عذراوات، كديانا.
حتى البوذية كان لها وجود في المنطقة، حيث أن الإمبراطور الهندي أشوكا (القرن الثالث ق.م) كان قد سعى في إرسال مبشرين بوذيين إلى الأسكندرية في زمن البطالمة؛ يحملون معهم قيم الزهد و الإنعزالية و الرهبنة و العزوف عن الجنس، المميزة للعقيدة البوذية؛ و التي تحوي أيضا معتقدات عن ولادة بوذا الإعجازية، و نبوءات و مظاهر خارقة تدور حول تلك الولادة، و تعتبر أن من يعيش وفقا لتعاليم الخير سيخلص و يذهب إلى ملكوت ما، ثم أنها ننتظر عودة مستقبلية لبوذا آخر في تناسخ جديد.
يمكن القول أن الخلط و الدمج و المزج بين العقائد المختلفة و عناصرها المتنوعة، كان من أهم السمات المميزة هذه الفترة.
و بشكل عام استمرت روما في نفس سياسة العولمة اليونانية و العلمانية الوثنية التي تقوم على احترام العقائد المحلية المختلفة و السماح بتعايشها بحرية جنبا إلى جنب؛ و لم يكونوا يتدخلون لقمع أي طائفة إلا في حالات محدودة، و لو وجدوا أنها تمثل خطرا سياسيا محتملا.
و إلى جوار الأديان، تواجدت في ذلك العالم مدارس فلسفية، في اليونان و الأسكندرية و غيرها منذ القرن الثالث ق.م، و ازدهرت تيارات فلسفية، مختلطة بالفكر الديني، مثل الغنوصية التي تعلن عن معتقداتها بغموض و رمزية مبهمة، و تدور أفكارها حول التنوير و المعرفة السرية للخاصة مع العزوف عن الجنس و المال و الماديات و تؤمن بالخلاص عن طريق "التوحد مع الله" ، و"الأفلاطونية" التي تتبني العديد من الفلسفات الأخلاقية و تؤكد- كالزرادشتية و الغنوصية - على التفرقة الثنائية بين العالم المادي و الروحاني، و "الرواقية" التي تنادي باعتناق الحكمة و الأخلاق الطبيعية، و بالمساواة و المحبة و نبذ الحسد و الحقد، و "الكلبية" التي تروج للتقشف و الرهبنة و الإبتعاد عن مظاهر الترف و الحضارة، و تحتقر النظافة الشخصية، و كان لها مدرسة قريبة من منطقة الجليل مسقط رأس يسوع.
و سيقوم بعض الفلاسفة باقتباس المصطلح اليوناني القديم "لوغوس"، و الذي كان في الأصل يعني "الرأي" أو "الكلمة" بالمفهوم العقلاني الفلسفي، و سيعيدون صياغته ليتحول معناه إلى "الكلمة" بمعنى ديني و بصفته القوة الكبرى المقدسة التي تنشأ عنها الحياة – حتى أن فيلو السكندري مثلا سيشير إلى أن اللوغوس\الكلمة هو "أول مولود لله".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق