الاثنين، 5 يناير 2015

المسيح : رسول من الجحيم (6)

المسيح : رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع



الجزء السادس :
- يسوع يأمر بالتمسك يبشاعات العهد القديم-
و يمتنع عن ممارسة النظافة الشخصية أيضا.
- ((مليء بالتشويق؛ يحتوي على شعر نبيل، و بعض الخرافات الذكية، و بعض التاريخ المنغمس في الدم، و بعض الأخلاق الجيدة، و ثروة من الفُحش، و أكثر من ألف كذبة)) – الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين، متحدثا عن الكتاب المقدس.
من الإنصاف الإشارة مرة أخرى إلى أن الكتاب المقدس العبري ليس كله شر؛ بل هو يحتوي بين دفتيه على العديد من النصوص الأخلاقية الطيبة هنا و هناك، و التي تحض على العدل و الرحمة و التكافل و مساعدة الغريب و الرفق بالضعفاء و العبيد و حتى بالحيوان ؛ و لكنه على الجانب الآخر بالفعل يحتوي على الكثير من القسوة و الهمجية و اللامنطق، حتى بمقاييس عصره، و بالمقارنة مع التراث الإنساني الآخر في تلك الأزمان.
ما نود تأكيده هنا هو أن يسوع، الذي أقر بعض أمور في العهد القديم و رفض أمورا أخرى، لم يقم بذلك على أساس أخلاقي فأقر الخير و استبعد الشر –لا، بل في أحيان كثيرة فعل العكس تماما فرفض الخير في العهد القديم، و تمسك بالشر.
مثال، طريف نوعا نجده في إحدى جدالاته الحادة مع بعض الجماعات اليهودية، حيث نراهم يتهمونه هو و تلاميذه بمخالفة التقاليد ، لأنهم لا يقومون بغسل أيديهم قبل الأكل (حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟"..) متى 15-1،2.
التلبّس بالقذارة؛ ياله من موقف محرج!
فهل نتوقع أن يعتذر يسوع و يجري مع تلاميذه إلى أقرب مصدر مياه نظيفة ليغسلوا أيديهم؟
مطلقا؛ فمن رابع المستحيلات أن يقوم المسيح بالإعتذار عن شيء فعله أو يعترف بأي خطأ قد يسيء إلى مظهره أمام أتباعه ؛ بل سيجادل اليهود الفريسيين بكل عناد و يقلب الطاولة عليهم حالا.
(..فَأَجَابَ: "وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟" فَإِنَّ اللَّهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمْ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!) متى 15-3،6.
و المعنى باختصار : أنتم أيضا تخالفون وصايا الله؛ كيف؟
لأنكم لا تقتلون الأبناء العاصين، كما تنص التوراة!
و في إنجيل مرقس ترد الواقعة بتفصيل أكثر (وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضاً مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ لاَمُوا -لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ لاَ يَأْكُلُونَ مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: "لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟"فَأَجَابَ: "حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ". ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "حَسَناً! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ. لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمُ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ أَيْ هَدِيَّةٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئاً لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللَّهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُوراً كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ".) مرقس 7-1،13.
هنا نجد عدة مغالطات- بل و كوارث- منطقية و أخلاقية- في موقف يسوع:
المغالطة الأولى المنطقية هي الهروب من الموضوع الرئيسي إلى موضوع آخر فرعي بدلا من إعطاء الجواب المباشر ، فقط ليرد التهمة إلى من يتهمه – و هو أسلوب جدال مراهق يهتم بكسب النقاط ضد الخصم بدلا من توضيح الأمور، على طريقة "خير وسيلة للدفاع الهجوم".
المصيبة الثانية أخلاقية و هي إقرار قتل الأبناء العصاة، حسب التمسك الصارم بما جاء في التوراة مهما كان تعسفيا أو قاسيا - بل و معاتبة من يقرر التغاضي عن تلك العادة الهمجية و يفضل الرحمة، و شن الإتهامات ضدهم!
و لنراجع النصوص التوراتية التي تأمر، ليس بضرب أو تأديب، و إنما بقتل، ليس فقط من ضرب أباه و أمه أو شتمهما، بل كل من لا يطيعهما (وَمَنْ ضَرَبَ ابَاهُ اوْ امَّهُ يُقْتَلُ قَتْلا) خروج 21-15 ، (كُلُّ انْسَانٍ سَبَّ ابَاهُ اوْ امَّهُ فَانَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ ابَاهُ اوْ امَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ) لاويين 20-9 ، (إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلا لِقَوْلِ أُمِّهِ وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلا يَسْمَعُ لهُمَا. يُمْسِكُهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَيَأْتِيَانِ بِهِ إِلى شُيُوخِ مَدِينَتِهِ وَإِلى بَابِ مَكَانِهِ وَيَقُولانِ لِشُيُوخِ مَدِينَتِهِ: ابْنُنَا هَذَا مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِنَا وَهُوَ مُسْرِفٌ وَسِكِّيرٌ. فَيَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيل وَيَخَافُونَ) تثنية 21-18،21.
تلك هي وصايا رب اليهودية، و من الواضح أن رب المسيحية يرفض بشدة أي تساهل في هذه الوصايا العظيمة ، و يصف من يماطل في تطبيقها بالمرائي و باطل الإيمان.
المصيبة الثالثة سلوكية، و هي ترسيخ القذارة و عدم غسل اليدين، و ربما عدم غسل الأطباق أيضا – فكاتب الإنجيل يتحدث عن غسل الأواني قبل الأكل بشيء من التعجب، و كأنها كانت عادة خاصة باليهود الفريسيين وحدهم!
و إن كان غسل اليدين قبل الأكل و الأواني هو عادة مبتدعة، فهي تظل عادة نظيفة بل ضرورية جدا ، فات إله التوراة أن يشير إليها حين كان يخاطب موسى في صحراء سيناء منذ أكثر من ألف سنة.
و من بقية النقاش نرى الحجة التي استخدمها يسوع للدفاع عن ذلك السلوك (..ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: "اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هَذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ"). متى 15-10،11.
بمعنى آخر: المهم هو ما نتكلم به، لا ما نأكله.
أما الشطر الأول فصحيح تماما: الكلمة السليمة "النظيفة" أمر مهم للغاية ؛ و لكن يا ترى لماذا تربطها بالشطر الثاني فتظهر المسألة و كأن الطعام القذر ليس فيه أي مشكلة؟!
و هذه هي المغالطة- المنطقية- الرابعة: وضع العسل في السم ؛ المسيح هنا يشبه شخصا يريد إخبار من حوله أن "الجوهر الداخلي أهم من المظهر الخارجي"، فإذا به يسير في الشارع عاريا! ، أو يريد إخبارهم أن "نظافة القلب أهم من نظافة الجسد" فإذ به يمتنع عن الإستحمام! - إن كانت هذه وسيلة للإقناع أو التعليم فهي وسيلة كاريكاتورية متطرفة و ساذجة للغاية.
"اغسل يدك من القذارة المادية، و نظف فمك أيضا من القذارة المعنوية"؛ ألم يكن بإمكانك أن تقولها لهم بهذا الشكل البسيط ، بدلا من أن تجازف بتعريض، ليس تلاميذك فقط للعديد من الأمراض ، و إنما أيضا أتباعك المحتملين في أزمنة لاحقة لن تكون موجودا فيها بقدراتك الخارقة لتشفيهم؟!
و حين سيخبره التلاميذ أن الفريسيين تقززوا و اشمأزوا من كلامه (و معهم ألف حق)، سيلجأ -كعادته- إلى الهجوم المضاد و شتم من يخالفه (..حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوا لَهُ: "أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟" فَأَجَابَ: "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ") متى 15- 12،14.
صدقت يا رب المجد ، ألف لعنة على أولئك العميان الذين يصرون على غسل أيديهم قبل الأكل، متوهمين أن الطعام القذر قد يضر بالإنسان!
و العبارة الأخيرة قد تفسر لنا جزئيا موقف المسيح، فهو – كم سنرى في مواقف أخرى- مهتم كثيرا بمعاندة الكهنة و إسقاط هيبتهم أمام الناس بأي شكل، بهدف تلميع نفسه وسطهم كنجم جديد منافس.
ثم إن هذا الموقف اليسوعي – الإمتناع عن غسل اليدين ثم التحجج بأن المهم الأخلاق لا النظافة – سنجده يتكرر في موقف آخر له مع أحد الفريسيين (..وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: "أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافاً وَخُبْثاً. يَا أَغْبِيَاءُ أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضاً؟ بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيّاً لَكُمْ") لوقا 11-37،41.
ثم يستمر المسيح بكل غلظة، حتى آخر السفر، في كيل الإهانات لمن استضافه في بيته، و شتم قومه و ثقافته و عاداته، فقط لأنه أبدى تعجبه من تمسك يسوع بالقذارة.
هنا تتكرر المغالطة الأولى في الموقف السابق (الرد على الإتهام باتهامات أخرى)؛ و كذلك للمغالطة الرابعة (خلط الصواب بالخطأ)، و التي تلبس هنا ثوب مغالطة طبية و معرفية: الإدعاء بأن البر الأخلاقي يعفينا من التطهر المادي: لو قلت كلاما طيبا و تصدقت فلن يضرك الطعام المليء بالأتربة و القاذورات – فيبدو أن رب المجد المتجسّد لم يسمع في حياته عن الباكتيريا أو الجراثيم!
و الأسوأ أن تكرار الموقف بهذا الشكل يثير الشك في أن الأكل بأيدي قذرة ، في الواقعة الأولى، لم يكن محض سلوك مفتعل من يسوع لمرة واحدة على سبيل تعليم اليهود درسا فحسب كما قد يظن الشخص سليم النية، و إنما هو على ما يبدو عادة متأصلة عنده و عند أتباعه الأوائل.
فيا ترى هل يستطيع أي مسيحي اليوم أن يتبع هذا السلوك اليسوعي، فيأكل بأيدي قذرة، ثم ينطق بالخير و يتصدق بالمال، و يثق أن هذا كفيل بتنقية كل ما يدخل إلى معدته؟ أشك بقوة.
المؤكد أنه لو كان ذلك الداعية اليهودي قد تلقى أدنى قدر من التعليم، أو أنه يملك حسا أخلاقيا بسيطا، لأدرك بسهولة أن غسل اليدين ضروري، و أن قتل الأبناء المتمردين قسوة و سخافة، و أنه ببساطة ليس كل الآباء و الأمهات يستحقون التكريم و الطاعة، فقط لمجرد كونهم آباء و أمهات؛ و لأدرك بالتالي أن تقاليد اليهود المعاصرين له -في تلك الحالة على الأقل- أفضل نسبيا من وصايا إله اليهودية، و الذي يبدو إله المسيحية هنا مماثلا له تماما في السذاجة التبسيطية و قلة المعرفة و الإفتقار إلى المنطق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق