الاثنين، 5 يناير 2015

المسيح : رسول من الجحيم (5)

المسيح : رسول من الجحيم (5)

المسيح: رسول من الجحيم
الوجه الآخر ليسوع

الجزء الخامس :
- عن الكلاب و أسيادهم-
في إحدى المناسبات جاءته امرأة "أممية" (غير إسرائيلية) ، تخبره أن ابنتها مريضة و ترجوه أن يشفيها بقدراته (وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: "ارْحَمْنِي يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ. ابْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّاً"..)
يالها من فرصة ممتازة ليسوع لإظهار اهتمام رب المجد بالبشر عموما، حتى لو كانوا غير يهود، أليس كذلك؟
لكن للأسف، يخبرنا الكاتب أن يسوع (..لَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ..) ، بمعنى آخر تجاهلها تماما.
مع ذلك فالمرأة لم تنصرف، بل ظلت تسير وراءه و تلح عليه؛ و يبدو أن صياحها أزعج آذان تلاميذ يسوع اليهود مرهفي الحس (..فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!"..).
فماذا سيفعل يسوع الرحيم؟ هل سيعتذر لها لأنه تجاهلها في البداية؟ هل سيستجيب لها فورا و يشفي ابنتها المريضة في المنزل؟
للأسف لا؛ و إنما (..أَجَابَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"..).
بمعنى آخر: تخصصي هو اليهود فقط – الآخرون لا يهمونني في شيء.
و لنفهم طبيعة ذلك التصرف- بمقاييس عصرنا – فهو يبدو كطبيب نابغة مسلم مثلا يكتب على باب مشفاه لافتة تقول : العلاج للمرضى المسلمين فقط - و حين يأتيه مرضى في حالات الطوارئ يتفحص بطاقاتهم الشخصية أولا ، فإذا وجدهم غير مسلمين تجاهل علاجهم و طردهم فورا!
نعود إلى المرأة المسكينة التي تمادت في الإلحاح، فسجدت ليسوع – وضعت وجهها أمامه في تراب الأرض، مستمرة في التوسل (..فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ أَعِنِّي!"..).
ماذا الآن؟! هل سيرق قلب رب المجد؟
ليس بعد؛ بل سيهتم أولا بتوضيح حقيقة مهمة للغاية للمرأة (..فَأَجَابَ: "لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ"..).
و في حالة لو كنت تتساءل فالمعنى واضح تماما : البنون هنا هم اليهود، و الكلاب- نعم- هم الآخرون، جميع غير اليهود، باقي البشر، أنا و أنت و أهلي و أهلك؛ و بالطبع كما هو معلوم ليس من الجيد أن تؤخذ بركة الأبناء و تمنح للكلاب.
ربما في ظروف أخرى كانت السيدة لتنتفض غضبا على الرجل جراء تلك الإهانة، و تقوم بلعنه و لعن أسلافه و قومه واحدا واحدا – لكن يبدو أن صورة ابنتها المريضة في ذهنها لم تترك أمامها إلا سبيل واحد: المزيد و المزيد من التذلل لهذا الذي يشتمها، ظنا منها أنه يستطيع إنقاذ ابنتها.
(..فَقَالَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا"..).
إذن، في النهاية لا مانع من أن تنعم الكلاب غير اليهودية القابعة تحت الموائد ، ببعض من الفتات الساقط من أفواه البنين اليهود، أسيادها و أربابها.
و بالفعل، يبدو أن تلك الكلمات الأخيرة قد راقت ليسوع.
(..حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" . فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ).
يزعم البعض أن يسوع كان يختبر إيمان المرأة(!)؛ و هذا يصح فقط لو كان المقصود بالإيمان هو مدى تقبل الإنسان للشتم و للذل، و الحق يقال فقد أثبتت في ذلك نجاحا كبيرا.
و هذا يجعلنا نتصور الوضع العكسي: لو أنها رفضت الإهانة و أكدت أن البشر سواسية؛ حينها كانت المسكينة ستفشل في الإختبار اليسوعي و تثبت أن إيمانها ضعيف- فياله من منطق!
و ربما هذا هو المغزى من القصة الرائعة: حقا، هل هناك إيمان أعظم من أن يضطرك قلبك المكلوم، بسبب ابنتك المريضة، إلى التذلل و تعفير وجهك في التراب و إهانة نفسك و أهلك و قومك أمام جمع من اليهود طلبا لشفاءها؟!
و لنقرأ النص مرة أخرى، كما هو مكتملا (وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: "ارْحَمْنِي يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ. ابْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّاً". لَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!" أَجَابَ: “لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ". فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ أَعِنِّي!" فَأَجَابَ: "لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". فَقَالَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا". حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ" . فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ( متى 15-22،27
و في مرقس نجد صياغة مختلفة قليلا لنفس القصة:
(لأَنَّ امْرَأَةً كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَمِيَّةً وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً - فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: "دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". فَأَجَابَتْ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ" . فَقَالَ لَهَا: "لأَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ") مرقس 7-25،29.
فما الذي يحدث هنا بالتحديد؟
- يسوع العنصري-
تؤكد التوراة بصراحة أن اليهود هم شعب الرب المُختار) لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِتَكُونَ لهُ شَعْباً خَاصّاً فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ) تثنية 14-2 و أيضا تثنية 7-6.
و قد أقام ذلك الرب عهدا مع جدهم إبراهيم، و لصالح ذريته من بعده (وَاقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي اجْيَالِهِمْ عَهْدا ابَدِيّا لاكُونَ الَها لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِك) تكوين 17-7 ؛ و سيتلو ذلك ما يؤكد أن عهد التفضيل إنما هو مع نسل يعقوب\إسرائيل تحديدا و ليس غيره ؛ بحيث أن الإسرائليين في تلك الحالة هم شعب خاص مقدس، مختار لله من دون جميع شعوب الأرض (فَالانَ انْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَانَّ لِي كُلَّ الارْضِ. وَانْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَامَّةً مُقَدَّسَةً) خروج 19-5.
و يتم توكيد ذلك الإصطفاء، و تلك النظرة الإلهية العنصرية الممجدة لليهود فوق سائر الأمم- المحتقرة دوما و الخارجة فيما يبدو عن دائرة اهتمام الخالق- مرة بعد مرة، عبر جميع نصوص العهد القديم؛ لأن الله على ما يبدو لم يرد التعامل مع أي شعب آخر (إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ) عاموس 3-2.
و بما أن يسوع – كما رأينا- كان في الأصل يهوديا تقليديا، من خلفية يهودية أبا عن جد، تلقى تعليما يهوديا، و كان ملتزما بالعقيدة و الشريعة اليهودية ، فلم يكن متوقعا أن يخالف الإسرائيليين في عنصريتهم، و لم يكن مستغربا أن يكون تعصبه لشعب الله المختار هي إحدى مظاهر يهوديته الأصيلة- حيث لا يهتم بالدعوة وسط غير اليهود، بل يأمر أتباعه بتجنب مناطق غير اليهودية ، و حيث لا يجد ثمة مشكلة في وصف اليهود بالبنين و سائر الأمم بالكلاب التي تأكل من خبز البنين الذي منحه لهم الرب حصريا.
هكذا في التراث العبراني نجد أن الرب لا يعبأ كثيرا بالمصريين أو البابليين أو الفينيقيين أو الفرس أو اليونانيين أو غيرهم ممن شيّد الحضارات العظيمة و من صاغ الفنون و الآداب و العلوم و الشرائع و القوانين الأديان و الأخلاق ؛ الكل كلاب و خارج دائرة اهتمام الرب، فيما عدا قبيلة رعاة بدو صحراويين من العصر البرونزي – هذه كانت نظرة اليهود، و من الواضح أنها كانت أيضا نظرة الداعية اليهودي يسوع المسيح.
أما القصة السابقة فهي لا تعارض العنصرية كما يدعي البعض، و إنما لو تأملناها فهي تؤكد تلك العنصرية و ترسخها.
و بإمكاننا التخيل: لو كان الرجل صاحب دعوة إنسانية حقا، ألم تكن تلك فرصة رائعة له كي يؤكد لتلك السيدة المسكينة، على الملأ و بوضوح أمام تلاميذه و أتباعه، أن البشر سواسية أمام الإله، و أن الأمم غير اليهودية ليست كلابا محتقرة كما كان يعتقد اليهود آنذاك؟
لكنه لم يفعل أيا من ذلك، بل تصرف كأي إسرائيلي عنصري مُستعلي ؛ و لم يستجب للمرأة إلا حين أقرت تشبيهه المسيء و العنصري و البغيض، عديم الأدب و اللياقة.
(إحدى المفارقات اليسوعية اللافتة نشاهدها في موقف آخر (متى 8- 5،13) حين يأتيه ضابط روماني صاحب نفوذ يطلب منه أن يشفي ابنه؛ فسنجد أن رب المجد المعتز بقوميته سيستجيب فورا فيعرض أن يذهب إلى منزل الرجل بنفسه ليقوم بالمهمة (أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ)، من دون أن ينبس بكلمة واحدة ضده أو ضد الرومان ؛ و في مرقس نص قد يوضح لنا سبب إضافي لاهتمامه بمساعدة ذلك الرجل، حيث قال له أصحابه عنه (إِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هَذَا.لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ) مرقس 7-4،5؛ فالرجل يستحق المساعدة بالأساس ربما لأنه يحب اليهود و ينفعهم، و ربما لأنه صاحب نفوذ، و ربما لأنه مدح يسوع بكلمتين).
و المفارقة الأكبر أنه لاحقا حين تفشل دعوة يسوع وسط شعبه، و مع تبلور الديانة الجديدة في ثوبها الروماني، سيتم عكس تلك العنصرية لتتحول إلى عنصرية مضادة لليهود!؛ و سيتم تبرير ذلك عن طريق اتهام اليهود بقتل الرب، و بمعاداة تلاميذه و رسله خاصة بولس ؛ و سوف يتم الإستشهاد بنصوص إنجيلية معادية لليهود مثل النص الذي يعترفون فيه جميعهم بقتل يسوع و يجعلون دمه عليهم و على أبنائهم (متى 27-25)، و ستُستخدم تلك النصوص لقمع و اضطهاد جميع اليهود في أوروبا عبر القرون الوسطى تحت الحكم الروماني المسيحي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق